البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الروم · الآية ٤٥

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة، وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء لا يمكن رده، ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق إلا جزاء العمال. { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون عن ذلك اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. { من كفر } منهم { فعليه كفره } ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى، { ومن عمل صالحا } من الحقوق التي لله، أو التي للعباد، الواجبة والمستحبة، { فلأنفسهم } لا لغيرهم { يمهدون } أي: يهيئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: { إنه لا يحب الكافرين }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٤٣–٤٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه. ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل والجزاء الأوفى، {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العقاب، من {سموم وحميم وظل من يحموم} [الواقعة: 42، 43] . {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 57، 58] . {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 39، 40] . وقال: {والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقال في هذه الآية الكريمة: {وقدره} أي: القمر {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي: لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كما قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] . وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115، 116] …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

… قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه ثم يحييه " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه وقرأت قراء الأمصار ذلك: {إنه يبدأ الخلق} [يونس: 4] بكسر الألف من إنه على الاستئناف وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه أنه بفتح الألف من «أنه» كأنه أراد: حقا أن يبدأ الخلق ثم يعيده، ف «أن» حينئذ تكون رفعا، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] أحقا عباد الله أن لست زائرا %~% أبا حبة إلا علي رقيب PageEndV12P117 وقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} [يونس: 4] يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره، وقوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] يقول: ليثيب من صدق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال واجتنبوا ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة {بالقسط} [يونس: 4] يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسن من الثواب والصالح من الجزاء في الآخرة، وذلك هو القسط. والقسط العدل والإنصاف؛ كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بالقسط} [يونس: 4] بالعدل " وقوله: {والذين كفروا لهم شراب من حميم} [يونس: 4] فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعد الله للذين كفروا من العذاب. وفيه معنى العطف على الأول، لأنه تعالى ذكره عم بالخبر عن معاد جميعهم كفارهم ومؤمنيهم إليه، ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كل فريق بما عمل، المحسن منهم بالإحسان والمسيء بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنف عما أعد للذين كفروا من العذاب ما يدل سامع ذلك على المراد ابتدأ الخبر والمعنى العطف، فقال: والذين جحدوا الله ورسوله وكذبوا بآيات الله، لهم شراب في جهنم من حميم، وذلك شراب قد أغلي واشتد حره حتى أنه فيما ذكر عن النبي صلى الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي فأقم وجهك للدين القيم [الروم: 43] ، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فبين ذلك بأنهم لا يضرون بكفرهم إلا أنفسهم، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله فعليه كفره فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين، ولهذا ابتدئ بذكر حال من كفر ثم ذكر بعده من عمل صالحا. واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضرا على الكافر، لأن (على) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام، كما اقتضى اللام في قوله فلأنفسهم يمهدون أن لمجرورها نفعا وغنما، ومنه قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [البقرة: 286] . وقال توبة بن الحمير: وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها وأفرد ضمير كفره رعيا للفظ من. وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضار في الكفر على الكافر وأنه لا يضر غيره، مع تمام الإيجاز، وهو وعيد لأنه في معنى: من كفر فجزاؤه عقاب الله، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة (على) من قوله فعليه كفره وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحا بقوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله. وأما قوله ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون فهو بيان أيضا لما في جملة فأقم وجهك للدين القيم [الروم: 43] من الأمر بملازمة التحلي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان. وإنما قوبل من كفر ب من عمل صالحا ولم يقابل ب (من ءامن) للتنويه بشأن المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين. فاستغني بذكر العمل

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١١٦) ↗