سورة الروم · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية، وكمال عظمته، ونفوذ مشيئته، وقوة اقتداره، وجميل صنعه، وسعة رحمته وإحسانه، فقال: { ومن آياته أن خلقكم من تراب } وذلك بخلق أصل النسل، آدم عليه السلام، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } [أي: الذي خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة] وبثكم في أقطار الأرض [وأرجائها ففي ذلك آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض] هو الرب المعبود، الملك المحمود، والرحيم الودود، الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت. { ومن آياته } الدالة على رحمته وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة، وعلمه المحيط، { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } تناسبكم وتناسبونهن، وتشاكلكم وتشاكلونهن، { لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة، والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب، مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } يعملون أفكارهم، ويتدبرون آيات الله، وينتقلون من شيء إلى شيء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٢٠–٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر، قالا حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير (1) ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك". ورواه أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به (2) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا، {لتسكنوا إليها} ، كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر [من غيرهم] (3) إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل (4) يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} . يقول تعالى: ومن آيات قدرته العظيمة {خلق السموات والأرض} أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار. وقوله: {واختلاف ألسنتكم} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٧٨) ↗التحرير والتنوير
فعلموا أنهم مخلوقون من تراب، فبذلك استقام جعل التكوين من التراب آية للناس أي علامة على عظيم القدرة مع كونه أمرا خفيا. على أنه يمكن أن يكون الاستدلال مبنيا على ما هو شائع بين البشر أن أصل الإنسان تراب حسبما أنبأت به الأديان كلها. وبهذا التأويل يصح أيضا أن يكون معنى خلقكم من تراب خلق أصلكم وهو آدم، وأول الوجوه أظهرها. فالتراب موات لا حياة فيه وطبعه مناف لطبع الحياة لأن التراب بارد يابس وذلك طبع الموت، والحياة تقتضي حرارة ورطوبة فمن ذلك البارد اليابس ينشأ المخلوق الحي المدرك. وقد أشير إلى الحياة والإدراك بقوله إذا أنتم بشر، وإلى التصرف والحركة بقوله تنتشرون، ولما كان تمام البشرية ينشأ عن تطور التراب إلى نبات ثم إلى نطفة ثم إلى أطوار التخلق في أزمنة متتالية عطفت الجملة بحرف المهلة الدال على تراخي الزمن مع تراخي الرتبة الذي هو الأصل في عطف الجمل بحرف ثم. وصدرت الجملة بحرف المفاجأة لأن الكون بشرا يظهر للناس فجأة بوضع الأجنة أو خروج الفراخ من البيض، وما بين ذلك من الأطوار التي اقتضاها حرف المهلة هي أطوار خفية غير مشاهدة فكان الجمع بين حرف المهلة وحرف المفاجأة تنبيها على ذلك التطور العجيب. وحصل من المقارنة بين حرف المهلة وحرف المفاجأة شبه الطباق وإن كان مرجع كل من الحرفين غير مرجع الآخر. والانتشار: الظهور على الأرض والتباعد بين الناس في الأعمال قال تعالى فانتشروا في الأرض [الجمعة: 10] . [21] 21] ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) هذه آية ثانية فيها عظة وتذكير بنظام الناس العام وهو نظام الازدواج وكينونة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٧٠) ↗