سورة الروم · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية، وكمال عظمته، ونفوذ مشيئته، وقوة اقتداره، وجميل صنعه، وسعة رحمته وإحسانه، فقال: { ومن آياته أن خلقكم من تراب } وذلك بخلق أصل النسل، آدم عليه السلام، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } [أي: الذي خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة] وبثكم في أقطار الأرض [وأرجائها ففي ذلك آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض] هو الرب المعبود، الملك المحمود، والرحيم الودود، الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت. { ومن آياته } الدالة على رحمته وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة، وعلمه المحيط، { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } تناسبكم وتناسبونهن، وتشاكلكم وتشاكلونهن، { لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة، والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب، مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } يعملون أفكارهم، ويتدبرون آيات الله، وينتقلون من شيء إلى شيء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٢٠–٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر، قالا حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير (1) ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك". ورواه أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به (2) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا، {لتسكنوا إليها} ، كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر [من غيرهم] (3) إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل (4) يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} . يقول تعالى: ومن آيات قدرته العظيمة {خلق السموات والأرض} أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار. وقوله: {واختلاف ألسنتكم} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كان ذلك فعله بأبيهم آدم كنحو الذي قد بينا فيما مضى من خطاب العرب من خاطبت بما فعلت بسلفه من قولهم: فعلنا بكم وفعلنا. PageEndV18P478 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٧٧) ↗التحرير والتنوير
إخراجا [نوح: 17، 18] . ولا وجه لاقتصار التشبيه على الثاني دون الأول. والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويان فليس البعث بعد الموت بأعجب من ابتداء الخلق ولكن المشركين حكموا الإلف في موضع تحكيم العقل. وقرأ نافع وحفص وحمزة الميت بتشديد الياء. وقرأه الباقون بالتخفيف. وقرأ الجمهور تخرجون بضم التاء الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي بفتحها. [20] 20] ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) لما كان الاستدلال على البعث متضمنا آيات على تفرده تعالى بالتصرف ودلالته على الوحدانية انتقل من ذلك الاستدلال إلى آيات على ذلك التصرف العظيم غير ما فيه إثبات البعث تثبيتا للمؤمنين وإعذارا لمن أشركوا في الإلهية. وقد سبقت ست آيات على الوحدانية، وابتدئت بكلمة ومن آياته تنبيها على اتحاد غرضها، فهذه هي الآية الأولى ولها شبه بالاستدلال على البعث لأن خلق الناس من تراب وبث الحياة والانتشار فيهم هو ضرب من ضروب إخراج الحي من الميت، فلذلك كانت هي الأولى في الذكر لمناسبتها لما قبلها فجعلت تخلصا من دلائل البعث إلى دلائل عظيم القدرة. وهذه الآية كائنة في خلق جوهر الإنسان وتقويم بشريته. وتقدم كيف كان الخلق من تراب عند قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين في سورة المؤمنين [12، 13] . فضمير النصب في خلقكم عائد إلى جميع الناس وهذا في معنى قوله تعالى في سورة الحج [5] فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة الآية. وهذا استدلال للناس بأنفسهم لأنهم أشعر بها مما سواها، والناس يعلمون أن النطف أصل الخلقة، وهم إذا تأملوا علموا أن النطفة تتكون من الغذاء، وأن الغذاء يتكون من نبات الأرض، وأن نبات الأرض مشتمل على الأجزاء الترابية التي أنبتته
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٦٩) ↗