سورة الروم · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إخبار عن تنزهه عن السوء والنقص، وتقدسه عن أن يماثله أحد من الخلق، وأمر للعباد أن يسبحوه حين يمسون وحين يصبحون، ووقت العشي، ووقت الظهيرة. فهذه الأوقات الخمسة، أوقات الصلوات الخمس، أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك، الواجب منه، كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب، كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات، وما يقترن بها من النوافل، لأن هذه الأوقات التي اختارها الله [لأوقات المفروضات هي] أفضل من غيرها [فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها]، بل العبادة، وإن لم تشتمل على قول " سبحان الله " فإن الإخلاص فيها تنزيه لله بالفعل، أن يكون له شريك في العبادة، أو أن يستحق أحد من الخلق ما يستحقه من الإخلاص والإنابة. { يخرج الحي من الميت } كما يخرج النبات من الأرض الميتة، والسنبلة من الحبة، والشجرة من النواة، والفرخ من البيضة، والمؤمن من الكافر، ونحو ذلك. { ويخرج الميت من الحي } بعكس المذكور { ويحي الأرض بعد موتها } فينزل عليها المطر وهي ميتة هامدة، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، { وكذلك تخرجون } من قبوركم. فهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، أن الذي أحيا الأرض بعد موتها، فإنه يحيي الأموات، فلا فرق في نظر العقل بين الأمرين، ولا موجب لاستبعاد أحدهما مع مشاهدة الآخر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ١٧–١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ويعترفون به، {فقل أفلا تتقون} أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟. وقوله: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، {فماذا بعد الحق إلا الضلال} أي: فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو، واحد (1) لا شريك له. {فأنى تصرفون} (2) أي: فكيف تصرفون (3) عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؟ وقوله: {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} أي: كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده؛ فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله: {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] . وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد، {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: من بدأ خلق هذه السموات والأرض ثم ينشئ (1) ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما، ثم يعيد الخلق (2) خلقا جديدا؟ {قل الله} هو الذي يفعل هذا ويستقل به، وحده لا شريك له، {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل؟! {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق} أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال، ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله، الذي لا إله إلا هو. {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} أي: أفيتبع [العبد الذي يهدي إلى
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٦٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٧٥) ↗التحرير والتنوير
في طالعة سورة الفاتحة. ولك أن تجعل التقديم للاهتمام بضمير الجلالة. والإمساء: حلول المساء. والإصباح: حلول الصباح. وتقدم في قوله فالق الإصباح في سورة الأنعام [96] . والإمساء: اقتراب غروب الشمس إلى العشاء، والصباح: أول النهار. والإظهار: حلول وقت الظهر وهو نصف النهار. وقد استعمل الإفعال الذي همزته للدخول في المكان مثل: أنجد، وأتهم، وأيمن، وأشأم في حلول الأوقات من المساء والصباح والظهر تشبيها لذلك الحلول بالكون في المكان، فيكثر أن يقال: أصبح وأضحى وأمسى وأعتم وأشرق، قال تعالى فأتبعوهم مشرقين [الشعراء: 60] . والعشي: ما بعد العصر، وقد تقدم عند قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي في سورة الأنعام [52] . [19] 19] يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) هذه الجملة بدل من جملة الله يبدؤا الخلق ثم يعيده [الروم: 11] . ويجوز أيضا أن تكون موقع العلة لجملة فسبحان الله حين تمسون [الروم: 17] وما عطف عليها، أي هو مستحق للتسبيح والحمد لتصرفه في المخلوقات بالإيجاد العجيب وبالإحياء بعد الموت. واختير من تصرفاته العظيمة تصرف الإحياء والإماتة في الحيوان والنبات لأنه تخلص للغرض المقصود من إثبات البعث ردا للكلام على ما تقدم من قوله الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون [الروم: 11] . فتحصل من ذلك أن الأمر بتسبيحه وحمده معلول بأمرين: إيفاء حق شكره المفاد بفاء التفريع في قوله فسبحان الله [الروم: 17] ، وإيفاء حق التعظيم والإجلال، والمقصود هو إخراج الحي من الميت. وأما عطف ويخرج الميت من الحي فللاحتراس من اقتصار قدرته على بعض التصرفات ولإظهار عجيب قدرته أنها تفعل الضدين. وفي الآية الطباق. وهذا الخطاب للمؤمنين تعريض بالرد على المشركين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٦٧) ↗