سورة الروم · الآية ١٦
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات، ثم يعيدهم، ثم إليه يرجعون بعد إعادتهم، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر، ثم جزاء أهل الخير، فقال: { ويوم تقوم الساعة } أي: يقوم الناس لرب العالمين، ويردون القيامة عيانا، يومئذ { يبلس المجرمون } أي: ييأسون من كل خير. وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام، وهي الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب، ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا، وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من نفع شركائهم، وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال: { ولم يكن لهم من شركآئهم } التي عبدوها مع الله { شفعاء وكانوا بشركآئهم كافرين } تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع الله، وتبرأ المعبودون، وقالوا: تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63] والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر، كما افترقت أعمالهم في الدنيا. { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } آمنوا بقلوبهم، وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة { فهم في روضة } فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، { يحبرون } أي: يسرون، وينعمون بالمآكل اللذيذة، والأشربة، والحور الحسان، والخدم، والولدان، والأصوات المطربات، والسماع المشجي، والمناظر العجيبة، والروائح الطيبة، والفرح والسرور، واللذة والحبور، مما لا يقدر أحد أن يصفه. { وأما الذين كفروا } وجحدوا نعمه، وقابلوها بالكفر { وكذبوا بآياتنا } التي جاءتهم بها رسلنا { فأولئك في العذاب محضرون } فيه، قد أحاطت بهم جهنم من جميع جهاتهم، واطلع العذاب الأليم على أفئدتهم، وشوى الحميم وجوههم، وقطع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين، وأين التساوي بين المنعمين والمعذبين؟!!
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ١١–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} : قال قتادة: هي -والله -الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما؛ ولهذا قال: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون} قال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء. والحبرة أعم من هذا كله، قال العجاج: الحمد (1) لله الذي أعطى الحبر %~% موالي الحق إن المولى شكر (2) هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه: عند المساء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح، وهو إسفار النهار عن ضيائه. ثم اعترض بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: {وله الحمد في السموات والأرض} أي: هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض. ثم قال: {وعشيا وحين تظهرون} فالعشاء (3) هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا، كما قال: {والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها} [الشمس: 3، 4] ، وقال {والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال: {والضحى. والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، والآيات في هذا كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه (4) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون" (5) . وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه (6) ، عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إياها، فجمعهم فيها ليذوقوا العذاب الذي كانوا في الدنيا يكذبون.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٧٣) ↗التحرير والتنوير
آلهتهم التي أشركوا بها وكانوا يحسبونها شفعاء عند الله، فلما نظروا وقلبوا النظر فلم يجدوا شفعاء خابوا وخسئوا وأبلسوا، ولهم أسباب خيبة أخرى لم يتعلق الغرض بذكرها. وأما ما ينالهم من العذاب فذلك حالة يأس لا حالة إبلاس. ومن تبعيضية، وليس الكلام من قبيل التجريد. ونفي فعل يكن ب لم التي تخلص المضارع للمضي للإشارة إلى تحقيق حصول هذا النفي مثل قوله أتى أمر الله [النحل: 1] . ومقابلة ضمير الجمع بصيغة جمع الشركاء من باب التوزيع، أي لم يكن لأحد من المجرمين أحد شفيع فضلا عن عدة شفعاء. وكذلك قوله وكانوا بشركائهم كافرين لأن المراد أنهم يكفرون بهم يوم تقوم الساعة كقوله تعالى ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25] . وكتب في المصحف شفعؤا بواو بعد العين وألف بعد الواو، أرادوا بالجمع بين الواو والألف أن ينبهوا على أن الهمزة مضمومة ليعلم أن شفعاء اسم (كان) وأن ليس اسمها قوله من شركائهم بتوهم أن من اسم بمعنى بعض، أو أنها مزيدة في النفي، فأثبتوا الواو تحقيقا لضم الهمزة وأثبتوا الألف لأن الألف صورة للهمزة. [14- 16] 16] ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) أعيد ويوم تقوم الساعة لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفا. وكرر يومئذ لتأكيد حقيقة الظرفية. ولما ذكر إبلاس المشركين المشعر بتوقعهم السوء والعذاب أعقب بتفصيل أحوال الناس يومئذ مع بيان مغبة إبلاس الفريق الكافرين. والضمير في يتفرقون عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين فعلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٦٣) ↗