سورة الروم · الآية ١٥
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات، ثم يعيدهم، ثم إليه يرجعون بعد إعادتهم، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر، ثم جزاء أهل الخير، فقال: { ويوم تقوم الساعة } أي: يقوم الناس لرب العالمين، ويردون القيامة عيانا، يومئذ { يبلس المجرمون } أي: ييأسون من كل خير. وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام، وهي الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب، ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا، وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من نفع شركائهم، وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال: { ولم يكن لهم من شركآئهم } التي عبدوها مع الله { شفعاء وكانوا بشركآئهم كافرين } تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع الله، وتبرأ المعبودون، وقالوا: تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63] والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر، كما افترقت أعمالهم في الدنيا. { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } آمنوا بقلوبهم، وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة { فهم في روضة } فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، { يحبرون } أي: يسرون، وينعمون بالمآكل اللذيذة، والأشربة، والحور الحسان، والخدم، والولدان، والأصوات المطربات، والسماع المشجي، والمناظر العجيبة، والروائح الطيبة، والفرح والسرور، واللذة والحبور، مما لا يقدر أحد أن يصفه. { وأما الذين كفروا } وجحدوا نعمه، وقابلوها بالكفر { وكذبوا بآياتنا } التي جاءتهم بها رسلنا { فأولئك في العذاب محضرون } فيه، قد أحاطت بهم جهنم من جميع جهاتهم، واطلع العذاب الأليم على أفئدتهم، وشوى الحميم وجوههم، وقطع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين، وأين التساوي بين المنعمين والمعذبين؟!!
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ١١–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أجورهم: أدخلهم الجنة". {ويزيدهم من فضله} قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم". (1) وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد (2) . {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك {فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} كما قال تعالى {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين. يقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا (3) بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} أي: ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج (4) وغيره: وهو القرآن. {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير. {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} أي: طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القرآن صراط الله المستقيم وحبل الله المتين ". وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٨١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال , وذلك أن يردوا على ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه {فيوفيهم أجورهم} [آل عمران: 57] يقول: " فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما. {ويزيدهم من فضله} [النساء: 173] يعني جل ثناؤه: ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده؛ غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه من العشر، والزيادة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٧٠٩) ↗التحرير والتنوير
آلهتهم التي أشركوا بها وكانوا يحسبونها شفعاء عند الله، فلما نظروا وقلبوا النظر فلم يجدوا شفعاء خابوا وخسئوا وأبلسوا، ولهم أسباب خيبة أخرى لم يتعلق الغرض بذكرها. وأما ما ينالهم من العذاب فذلك حالة يأس لا حالة إبلاس. ومن تبعيضية، وليس الكلام من قبيل التجريد. ونفي فعل يكن ب لم التي تخلص المضارع للمضي للإشارة إلى تحقيق حصول هذا النفي مثل قوله أتى أمر الله [النحل: 1] . ومقابلة ضمير الجمع بصيغة جمع الشركاء من باب التوزيع، أي لم يكن لأحد من المجرمين أحد شفيع فضلا عن عدة شفعاء. وكذلك قوله وكانوا بشركائهم كافرين لأن المراد أنهم يكفرون بهم يوم تقوم الساعة كقوله تعالى ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25] . وكتب في المصحف شفعؤا بواو بعد العين وألف بعد الواو، أرادوا بالجمع بين الواو والألف أن ينبهوا على أن الهمزة مضمومة ليعلم أن شفعاء اسم (كان) وأن ليس اسمها قوله من شركائهم بتوهم أن من اسم بمعنى بعض، أو أنها مزيدة في النفي، فأثبتوا الواو تحقيقا لضم الهمزة وأثبتوا الألف لأن الألف صورة للهمزة. [14- 16] 16] ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) أعيد ويوم تقوم الساعة لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفا. وكرر يومئذ لتأكيد حقيقة الظرفية. ولما ذكر إبلاس المشركين المشعر بتوقعهم السوء والعذاب أعقب بتفصيل أحوال الناس يومئذ مع بيان مغبة إبلاس الفريق الكافرين. والضمير في يتفرقون عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين فعلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٦٣) ↗