البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ٩١

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أن من كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى، أنه لا تقبل توبتهم، أي: لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال { وأولئك هم الضآلون } وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة، وهؤلاء الكفرة إذا استمروا على كفرهم إلى الممات تعين هلاكهم وشقاؤهم الأبدي، ولم ينفعهم شيء، فلو أنفق أحدهم ملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب الله ما نفعه ذلك، بل لا يزالون في العذاب الأليم، لا شافع لهم ولا ناصر ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله فأيسوا من كل خير، وجزموا على الخلود الدائم في العقاب والسخط، فعياذا بالله من حالهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ٩٠–٩١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عن (1) المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمر (2) عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال: "إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فيسمع كل (3) دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} يعني: دواب الأرض" (4) . [ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح عن عمار بن محمد به] (5) . وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس. وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة {ويلعنهم اللاعنون} يعني تلعنهم ملائكة الله، والمؤمنون. [وقد جاء في الحديث، أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان، وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضا، وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال، أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة، والله أعلم] (6) . ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} أي: رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وأحوالهم وبينوا للناس ما كانوا كتموه {فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه. وقد ورد أن الأمم السابقة لم تكن التوبة تقبل (7) من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه. ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن {عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها} أي: في اللعنة التابعة (8) لهم إلى يوم القيامة (9) ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي {لا يخفف عنهم العذاب} فيها، أي: لا ينقص عما هم فيه {ولا هم ينظرون} أي: لا يغير (10) عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك. وقال أبو العالية وقتادة: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[البقرة: 161]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٧٤٠) ↗

التحرير والتنوير

من الإسلام نفاقا، فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم، وإما الإخبار بأن الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون، فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم، وأسرارهم موكولة إلى الله تعالى. وقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية: مثل عبد الله بن سلام، فلا إشكال فيه، وأسلم بعضهم بعد نزول الآية. وقيل المراد الذين ارتدوا من المسلمين وماتوا على الكفر، فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع. والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما تقدم. وعليه يكون قوله: إن الذين كفروا وماتوا توكيدا لفظيا بالمرادف، وليبنى عليه التفريع بقوله: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا وأياما كان فتأويل الآية متعين: لأن ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أن إسلام الكافر مقبول، ولو تكرر منه الكفر، وأن توبة العصاة مقبولة، ولو وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء [137] وهو قوله: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا. [91] 91] إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدنا. وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفرا الذين ماتوا على الكفر، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا. وأيا ما كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرف بلام الاستغراق. والفاء في قوله: فلن يقبل مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ليدل على أن الصلة هي علة عدم قبول التوبة، ولذلك لم يقترن خبر الموصول بالفاء في الجملة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٣٠٥) ↗