البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العنكبوت · الآية ٤٨

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { وكذلك أنزلنآ إليك } يا محمد، هذا { الكتاب } الكريم، المبين كل نبأ عظيم، الداعي إلى كل خلق فاضل، وأمر كامل، المصدق للكتب السابقة، المخبر به الأنبياء الأقدمون. { فالذين آتيناهم الكتاب } فعرفوه حق معرفته، ولم يداخلهم حسد وهوى. { يؤمنون به } لأنهم تيقنوا صدقه، بما لديهم من الموافقات، وبما عندهم من البشارات، وبما تميزوا به من معرفة الحسن والقبيح، والصدق والكذب. { ومن هؤلاء } الموجودين { من يؤمن به } إيمانا عن بصيرة، لا عن رغبته ولا رهبته. { وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون } الذين دأبهم الجحود للحق والعناد له. وهذا حصر لمن كفر به، أنه لا يكون من أحد قصده متابعة الحق، وإلا فكل من له قصد صحيح، فإنه لا بد أن يؤمن به، لما اشتمل عليه من البينات، لكل من له عقل، أو ألقى السمع وهو شهيد. ومما يدل على صحته، أنه جاء به هذا النبي الأمين، الذي عرف قومه صدقه وأمانته ومدخله ومخرجه وسائر أحواله، وهو لا يكتب بيده خطا، ولا يقرأ خطا مكتوبا، فإتيانه به في هذه الحال، من أظهر البينات القاطعة، التي لا تقبل الارتياب، أنه من عند الله العزيز الحميد، ولهذا قال: { وما كنت تتلوا } أي: تقرأ { من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا } لو كنت بهذه الحال { لارتاب المبطلون } فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة، أو استنسخه منها، فأما وقد نزل على قلبك، كتابا جليلا، تحديت به الفصحاء والبلغاء، الأعداء الألداء، أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا غاية العجز، بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة، لعلمهم ببلاغته وفصاحته، وأن كلام أحد من البشر، لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله، ولهذا قال: { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ٤٧–٤٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء، كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام (1) ، كتب يوم الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: "ثم أخذ فكتب": وهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب". ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم: وإنما أراد الرجل -أعني الباجي، فيما يظهر عنه -أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال، عليه الصلاة والسلام (2) إخبارا عن الدجال: "مكتوب بين عينيه كافر" وفي رواية: "ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن" (3) ، وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت، عليه السلام (4) حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له؛ قال الله تعالى: {وما كنت تتلو} أي: تقرأ {من قبله من كتاب} لتأكيد النفي، {ولا تخطه بيمينك} تأكيد أيضا، وخرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] . وقوله: {إذا لارتاب المبطلون} أي: لو كنت تحسنها (5) لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] ،قال الله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 6] ، وقال هاهنا: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} أي: [هذا] (6) القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرا ونهيا وخبرا، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا، كما قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أميا {إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] يقول: ولو كنت من قبل أن يوحى إليك تقرأ الكتاب، أو تخطه بيمينك، إذن لارتاب: يقول: إذن لشك بسبب ذلك في أمرك، وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الذي تتلوه عليهم المبطلون , القائلون: إنه سجع وكهانة، وإنه أساطير الأولين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٢٤) ↗

التحرير والتنوير

48] وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة وقد ورد الاستدلال بها في القرآن في مواضع كقوله: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] وقوله: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون. [يونس: 16] . ومعنى: ما كنت تتلوا من قبله من كتاب أنك لم تكن تقرأ كتابا حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل. ولا تخطه أي لا تكتب كتابا ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما التعلم بالقراءة والتعلم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتابا ولا يعرف يكتب لا يعد أميا كالعلماء العمي، والذي يستطيع أن يكتب ما يلقى إليه ولا يحفظ علما لا يعد أميا مثل النساخ فبانتفاء التلاوة والخط تحقق وصف الأمية. وإذا جواب وجزاء لشرط مقدر ب (لو) لأنه مفروض دل عليه قوله: وما كنت تتلوا ولا تخطه. والتقدير: لو كنت تتلو قبله كتابا أو تخطه لارتاب المبطلون. ومجيء جواب إذا مقترنا باللام التي يغلب اقتران جواب (لو) بها دليل على أن المقدر شرط ب (لو) كما في قول قريظ العنبري: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا قال المرزوقي في «شرح الحماسة» : (إذن) هو أنه أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا إبلك ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري معشر خشن ويجوز أن يكون أيضا: إذن لقام، جواب (لو) كأنه أجيب بجوابين. وهذا كما

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٠) ↗