سورة القصص · الآية ٨٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } إلى آخر القصة. يخبر تعالى عن حالة قارون وما [فعل] وفعل به ونصح ووعظ، فقال: { إن قارون كان من قوم موسى } أي: من بني إسرائيل، الذين فضلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتن الله عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، ولكن قارون هذا، بغى على قومه وطغى، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية. { وآتيناه من الكنوز } أي: كنوز الأموال شيئا كثيرا، { مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة [أولي القوة } والعصبة] من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك. أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها، هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ { إذ قال له قومه } ناصحين له محذرين له عن الطغيان: { لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة، فإن الله لا يحب الفرحين بها، المكبين على محبتها. { وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة } أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند الله، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، { ولا تنس نصيبك من الدنيا } أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، { وأحسن } إلى عباد الله { كمآ أحسن الله } بهذه الأموال، { ولا تبغ الفساد في الأرض } بالتكبر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنعم عن المنعم، { إن الله لا يحب المفسدين } بل يعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. ف { قال } قارون - رادا لنصيحتهم، كافرا بنعمة ربه -: { إنمآ أوتيته على علم عندي }. أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من الله بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحوني على ما أعطاني الله تعالى؟ قال تعالى مبينا أن عطاءه، ليس دليلا على حسن حالة المعطي: { أولم يعلم أن الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن علية، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (4) . وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جرير: {واستعينوا بالصبر والصلاة} قال: إنهما معونتان على رحمة الله. والضمير في قوله: {وإنها} عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير. ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام، وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى في قصة قارون: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون} [القصص: 80] وقال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 34، 35] أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا {وما يلقاها} أي: يؤتاها ويلهمها {إلا ذو حظ عظيم} وعلى كل تقدير، فقوله تعالى: {وإنها لكبيرة} أي: مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد: المؤمنين حقا. وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين. وقال الضحاك: {وإنها لكبيرة} قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين (5) لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده. وهذا يشبه ما جاء في الحديث: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه" (6) . وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٢٥٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٣٠) ↗التحرير والتنوير
[80] 80] وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا. عطف على جملة قال الذين يريدون الحياة الدنيا [القصص: 79] فهي مشاركة لها في معناها لأن ما تشتمل عليه خرجة قارون ما تدل عليه ملامحه من فتنة ببهرجته وبزته دالة على قلة اعتداده بثواب الله وعلى تمحضه للإقبال على لذائذ الدنيا ومفاخرها الباطلة ففي كلام الذين أوتوا العلم تنبيه على ذلك وإزالة لما تستجلبه حالة قارون من نفوس المبتلين بزخارف الدنيا. و (ويل) اسم للهلاك وسوء الحال، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة [79] . ويستعمل لفظ (ويل) في التعجب المشوب بالزجر، فليس الذين أوتوا العلم داعين بالويل على الذين يريدون الحياة الدنيا لأن المناسب لمقام الموعظة لين الخطاب ليكون أعون على الاتعاظ، ولكنهم يتعجبون من تعلق نفوس أولئك بزينة الحياة الدنيا واغتباطهم بحال قارون دون اهتمام بثواب الله الذي يستطيعون تحصيله بالإقبال على العمل بالدين والعمل النافع وهم يعلمون أن قارون غير متخلق بالفضائل الدينية. وتقديم المسند إليه في قوله ثواب الله خير ليتمكن الخبر في ذهن السامعين لأن الابتداء بما يدل على الثواب المضاف إلى أوسع الكرماء كرما مما تستشرف إليه النفس. وعدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله لمن آمن وعمل صالحا دون: خير لكم، لما في الإظهار من الإشارة إلى أن ثواب الله إنما يناله المؤمنون الذين يعملون الصالحات وأنه على حسب صحة الإيمان ووفرة العمل، مع ما في الموصول من الشمول لمن كان منهم كذلك ولغيرهم ممن لم يحضر ذلك المقام. ولا يلقاها إلا الصابرون. يجوز أن تكون الواو للعطف فهي من كلام الذين أوتوا العلم، أمروا الذين فتنهم حال قارون بأن يصبروا على حرمانهم مما فيه قارون.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٨٤) ↗