سورة القصص · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 36، 37] ، وذلك لأن (2) فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: {وإني لأظنه من الكاذبين} أي: في قوله إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: 23] وقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] وقال: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وهذا قول ابن جرير. وقوله: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة (3) ، {فصب عليهم ربك سوط عذاب.إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 13، 14] ، ولهذا قال ها هنا: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين. وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، {ويوم القيامة لا ينصرون} أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: {أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] وقوله: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} (4) أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، {ويوم القيامة هم من المقبوحين} . قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [هود: 99] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٣٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
توحيد الله، والإقرار بالعبودية له {بغير الحق} [البقرة: 61] يعني تعديا وعتوا على ربهم {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [القصص: 39] يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون، ولا ثواب، ولا عقاب، فركبوا أهواءهم، ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد، وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٥٦) ↗التحرير والتنوير
من حجارة لا من آجر، ولأنها جعلت مدافن للذين بنوها من الفراعنة. واختلف المفسرون هل وقع بناء هذا الصرح وتم أو لم يقع فحكى بعضهم أنه تم وصعد فرعون إلى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى. وحكى بعضهم أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقا كثيرا من عملة البناء والجند. وحكى بعضهم أنه لم يشرع في بنائه. وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر سأذكره في سورة المؤمن. [39] 39] واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) الاستكبار: أشد من الكبر، أي تكبر تكبرا شديدا إذ طمع في الوصول إلى الرب العظيم وصول الغالب أو القرين. وجنوده: أتباعه. فاستكباره هو الأصل واستكبار جنوده تبع لاستكباره لأنهم يتبعونه ويتلقون ما يمليه عليهم من العقائد. والأرض يجوز أن يراد بها المعهودة، أي أرض مصر وأن يراد بها الجنس، أي في عالم الأرض لأنهم كانوا يومئذ أعظم أمم الأرض. وقوله بغير الحق حال لازمة لعاملها إذ لا يكون الاستكبار إلا بغير الحق. وقوله وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون معلوم بالفحوى من كفرهم بالله، وإنما صرح به لأهمية إبطاله فلا يكتفى فيه بدلالة مفهوم الفحوى، ولأن في التصريح به تعريضا بالمشركين في أنهم وإياهم سواء فليضعوا أنفسهم في أي مقام من مقامات أهل الكفر، وقد كان أبو جهل يلقب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة أخذا من تعريضات القرآن. ومعنى ذلك: ظنوا أن لا بعث ولا رجوع لأنهم كفروا بالمرجوع إليه. فذكر إلينا لحكاية الواقع وليس بقيد فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين. وتقديم إلينا على عامله لأجل الفاصلة. ويجوز أن يكون المعنى: وظنوا أنهم في منعة من أن يرجعوا في قبضة قدرتنا كما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٢٤) ↗