سورة القصص · الآية ٣٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله -كما قال تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} [الزخرف: 54] ، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} ، [و] (1) قال تعالى إخبارا عنه: {فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات: 23 -26] يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين. ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك فقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] . وقوله: {فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} أي: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، ليتخذ له آجرا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع -كما قال في الآية الأخرى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 36، 37] ، وذلك لأن (2) فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: {وإني لأظنه من الكاذبين} أي: في قوله إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: 23] وقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] وقال: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وهذا قول ابن جرير. وقوله: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
غيري} [القصص: 38] فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربا غيري ومعبودا سواي. {فأوقد لي يا هامان على الطين} [القصص: 38] يقول: فاعمل لي آجرا، وذكر أنه أول من طبخ الآجر وبنى به.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٥٤) ↗التحرير والتنوير
تقدم في سورة الأنعام [135] قوله فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار وفي سورة الرعد [22] قوله أولئك لهم عقبى الدار وقوله وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار [الرعد: 42] . وقرأ الجمهور تكون بالمثناة الفوقية على أصل تأنيث لفظ عاقبة الدار وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية على الخيار في فعل الفاعل المجازي التأنيث. وأيد ذلك كله بجملة إنه لا يفلح الظالمون، دلالة على ثقته بأنه على الحق وذلك يفت من أعضادهم، ويلقي رعب الشك في النجاة في قلوبهم. وضمير إنه ضمير الشأن لأن الجملة بعده ذات معنى له شأن وخطر. [38] 38] وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) كلام فرعون المحكي هنا واقع في مقام غير مقام المحاورة مع موسى فهو كلام أقبل به على خطاب أهل مجلسه إثر المحاورة مع موسى فلذلك حكي بحرف العطف عطف القصة على القصة. فهذه قصة محاورة بين فرعون وملئه في شأن دعوة موسى فهي حقيقة بحرف العطف كما لا يخفى. أراد فرعون بخطابه مع ملئه أن يثبتهم على عقيدة إلهيته فقال ما علمت لكم من إله غيري إبطالا لقول موسى المحكي في سورة الشعراء [26] قال ربكم ورب آبائكم الأولين وقوله هناك رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (1) [الشعراء: 24] . فأظهر لهم فرعون أن دعوة موسى لم ترج عنده وأنه لم يصدق بها فقال ما علمت لكم من إله غيري. والمراد بنفي علمه بذلك نفي وجود إله غيره بطريق الكناية يريهم أنه أحاط علمه بكل شيء حق فلو كان ثمة إله غيره لعلمه. والمقصود بنفي وجود إله غيره نفي وجود الإله الذي أثبته موسى وهو خالق
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٢١) ↗