سورة القصص · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ولهذا قال: {وإني لأظنه من الكاذبين} أي: في قوله إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: 23] وقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] وقال: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وهذا قول ابن جرير. وقوله: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة (3) ، {فصب عليهم ربك سوط عذاب.إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 13، 14] ، ولهذا قال ها هنا: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين. وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، {ويوم القيامة لا ينصرون} أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: {أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] وقوله: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} (4) أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، {ويوم القيامة هم من المقبوحين} . قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [هود: 99] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٣٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
توحيد الله، والإقرار بالعبودية له {بغير الحق} [البقرة: 61] يعني تعديا وعتوا على ربهم {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [القصص: 39] يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون، ولا ثواب، ولا عقاب، فركبوا أهواءهم، ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد، وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٥٦) ↗التحرير والتنوير
دل عليه قوله في سورة الشعراء [24، 25] قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون استعجابا من ذلك. وعلى هذا الاحتمال فالتعريض بالمشركين باق على حاله فإنهم ظنوا أنهم في منعة من الاستئصال فقالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: 32] . قرأ نافع وحمزة والكسائي لا يرجعون بفتح ياء المضارعة من (رجع) . وقرأه الباقون بضمها من (أرجع) إذا فعل به الرجوع. [40] 40] فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) أي ظنوا أنهم لا يرجعون إلينا فعجلنا بهلاكهم فإن ذلك من الرجوع إلى الله لأنه رجوع إلى حكمه وعقابه، ويعقبه رجوع أرواحهم إلى عقابه، فلهذا فرع على ظنهم ذلك الإعلام بأنه أخذ وجنوده. وجعل هذا التفريع كالاعتراض بين حكاية أحوالهم. وجعل في «الكشاف» هذا من الكلام الفخم لدلالته على عظمة شأن الله إذ كان قوله فنبذناهم في اليم يتضمن استعارة مكنية: شبه هو وجنوده بحصيات أخذهن في كفه فطرحهن في البحر. وإذا حمل الأخذ على حقيقته كان فيه استعارة مكنية أيضا لأنه يستتبع تشبيها بقبضة تؤخذ باليد كقوله تعالى وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة [الحاقة: 14] وقوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] . ويجوز أن يجعل جميع ذلك استعارة تمثيلية كما لا يخفى. وقوله فانظر كيف كان عاقبة الظالمين اعتبار بسوء عاقبتهم لأجل ظلمهم أنفسهم بالكفر وظلمهم الرسول بالاستكبار عن سماع دعوته. وهذا موضع العبرة من سوق هذه القصة ليعتبر بها المشركون فيقيسوا حال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بحال دعوة موسى عليه السلام ويقيسوا حالهم بحال فرعون وقومه، فيوقنوا بأن ما أصاب فرعون وقومه من عقاب سيصيبهم لا محالة. وهذا من جملة محل العبرة بهذا الجزء من القصة ابتداء من قوله تعالى فلما جاءهم موسى بآياتنا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٢٥) ↗