سورة النمل · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } إلى آخر القصة. أي: واذكر عبدنا ورسولنا لوطا، ونبأه الفاضل، حين قال لقومه - داعيا إلى الله وناصحا -: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة الشنعاء، التي تستفحشها العقول والفطر، وتستقبحها الشرائع { وأنتم تبصرون } ذلك، وتعلمون قبحه، فعاندتم، وارتكبتم ذلك، ظلما منكم وجرأة على الله. ثم فسر تلك الفاحشة، فقال: { أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء } أي: كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من النساء، من المحال الطيبة، التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب عليكم الأمر، فاستحسنتم القبيح، واستقبحتم الحسن، { بل أنتم قوم تجهلون } متجاوزون لحدود الله، متجرؤون على محارمه. { فما كان جواب قومه } قبول ولا انزجار، ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة، والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين، بالإجلاء عن وطنه، والتشريد عن بلده. فما كان جواب قومه { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم }. فكأنه قيل: ما نقمتم منهم، وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا: { إنهم أناس يتطهرون } أي: يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور. فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به، حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق، فهم قالوا: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [الأعراف: 82]. ومفهوم هذا الكلام: " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة، المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم، ونجاة من خرج منها ". ولهذا قال تعالى: { فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين } وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف، وسمع بهم قومه، فجاؤوا إليه يريدونهم بالشر، وأغلق الباب دونهم، واشتد الأمر عليه، ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال، وأنهم جاؤوا لاستنقاذه وإخراجه من بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما نهاهم نبي الله عن إتيانهم الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم -ما كان جواب قومه له إلا قالوا: {لئن لم تنته يا لوط} يعنون: عما جئتنا (1) به، {لتكونن من المخرجين} أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: {وما (2) كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم (3) من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [الأعراف:82] ، فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم فقال: {قال إني لعملكم من القالين} أي: المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به؛ فأنا بريء منكم. ثم دعا الله عليهم قال: {رب نجني وأهلي مما يعملون} . قال الله تعالى {فنجيناه وأهله أجمعين} أي: كلهم. {إلا عجوزا في الغابرين} ، وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت (4) مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في "سورة الأعراف" و"هود"، وكذا في "الحجر" حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال: {ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . هؤلاء -أعني أصحاب الأيكة -هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: {إذ قال لهم شعيب} ، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٥٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حجارة من سجيل من السماء. {فساء مطر المنذرين} [الشعراء: 173] يقول: فبئس ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم نبيهم فكذبوه. {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا قوم لوط الهلاك الذي وصفنا بتكذيبهم رسولنا، لعبرة وموعظة لقومك يا محمد يتعظون بها في تكذيبهم إياك وردهم عليك ما جئتهم به من عند ربك من الحق {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 8] في سابق علم الله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 9] بمن آمن به
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٣٢) ↗التحرير والتنوير
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف [82] ، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله فما كان جواب قومه دون الواو، وبقوله أخرجوا آل لوط عوض أخرجوهم [الأعراف: 82] وبقوله قدرناها عوض كانت [الأعراف: 83] ، وبقوله فساء مطر المنذرين عوض فانظر كيف كان عاقبة المجرمين [الأعراف: 84] . فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو. ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى فإذا هم فريقان يختصمون [النمل: 45] ، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج. وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير. وكذلك قوله أخرجوا آل لوط دون أخرجوهم [الأعراف: 82] لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنن أيضا. وكذلك الاختلاف بين قدرناها هنا وبين كانت في الأعراف [83] . وأما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٥) ↗