سورة النمل · الآية ٥٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } إلى آخر القصة. أي: واذكر عبدنا ورسولنا لوطا، ونبأه الفاضل، حين قال لقومه - داعيا إلى الله وناصحا -: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة الشنعاء، التي تستفحشها العقول والفطر، وتستقبحها الشرائع { وأنتم تبصرون } ذلك، وتعلمون قبحه، فعاندتم، وارتكبتم ذلك، ظلما منكم وجرأة على الله. ثم فسر تلك الفاحشة، فقال: { أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء } أي: كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من النساء، من المحال الطيبة، التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب عليكم الأمر، فاستحسنتم القبيح، واستقبحتم الحسن، { بل أنتم قوم تجهلون } متجاوزون لحدود الله، متجرؤون على محارمه. { فما كان جواب قومه } قبول ولا انزجار، ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة، والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين، بالإجلاء عن وطنه، والتشريد عن بلده. فما كان جواب قومه { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم }. فكأنه قيل: ما نقمتم منهم، وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا: { إنهم أناس يتطهرون } أي: يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور. فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به، حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق، فهم قالوا: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [الأعراف: 82]. ومفهوم هذا الكلام: " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة، المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم، ونجاة من خرج منها ". ولهذا قال تعالى: { فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين } وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف، وسمع بهم قومه، فجاؤوا إليه يريدونهم بالشر، وأغلق الباب دونهم، واشتد الأمر عليه، ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال، وأنهم جاؤوا لاستنقاذه وإخراجه من بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وأمطرنا عليهم مطرا} أي: حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد؛ ولهذا قال: {فساء مطر المنذرين} أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وهموا بإخراجه من بينهم. يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {الحمد لله} أي: على نعمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى: هم الأنبياء، قال: وهو كقوله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180 -182] . وقال الثوري، والسدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رضي [الله] (1) عنهم أجمعين، وروي نحوه عن ابن عباس. ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ما ذكر لهم (2) ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع (3) أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. وقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي -إن شاء الله -عن أبي مالك، عن ابن عباس: {وسلام على عباده الذين اصطفى} قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه، رضي الله عنهم (4) . وقوله: {آلله خير أم ما يشركون} : استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى. ثم شرع تعالى يبين (5) أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال: {أمن خلق السموات والأرض} أي: تلك السموات بارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الغابرين} [الأعراف: 83] من الباقين. {وأمطرنا عليهم مطرا} [الأعراف: 84] وهو إمطار الله عليهم من PageEndV18P098 السماء حجارة من سجيل. {فساء مطر المنذرين} [الشعراء: 173] يقول: فساء ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه، وخوفهم بأسه بإرسال الرسول إليهم بذلك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٩٧) ↗التحرير والتنوير
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف [82] ، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله فما كان جواب قومه دون الواو، وبقوله أخرجوا آل لوط عوض أخرجوهم [الأعراف: 82] وبقوله قدرناها عوض كانت [الأعراف: 83] ، وبقوله فساء مطر المنذرين عوض فانظر كيف كان عاقبة المجرمين [الأعراف: 84] . فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو. ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى فإذا هم فريقان يختصمون [النمل: 45] ، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج. وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير. وكذلك قوله أخرجوا آل لوط دون أخرجوهم [الأعراف: 82] لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنن أيضا. وكذلك الاختلاف بين قدرناها هنا وبين كانت في الأعراف [83] . وأما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٥) ↗