سورة الشعراء · الآية ٢٠٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال عدله، في إهلاك المكذبين، وأنه ما أوقع بقرية، هلاكا وعذابا، إلا بعد أن يعذر منهم، ويبعث فيهم النذر بالآيات البينات، ويدعونهم إلى الهدى، وينهونهم عن الردى، ويذكرونهم بآيات الله، وينبهونهم على أيامه في نعمه ونقمه. { ذكرى } لهم وإقامة حجة عليهم. { وما كنا ظالمين } فنهلك القرى قبل أن ننذرهم، ونأخذهم وهم غافلون عن النذر، كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165]. ولما بين تعالى كمال القرآن وجلالته، نزهه عن كل صفة نقص، وحماه - وقت نزوله، وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس، فقال: { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم } أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم { وما يستطيعون } ذلك. { إنهم عن السمع لمعزولون } قد أبعدوا عنه، وأعدت لهم الرجوم لحفظه، ونزل به جبريل أقوى الملائكة، الذي لا يقدر شيطان أن يقربه، أو يحوم حول ساحته، وهذا كقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشعراء ٢٠٨–٢١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين. {لا يؤمنون به} أي: بالحق {حتى يروا العذاب الأليم} أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. {فيأتيهم بغتة} أي: عذاب الله بغتة، {وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون} ؟ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلا ليعملوا [من فزعهم] (1) بطاعة الله، كما قال تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم:44] ، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته، ندم ندما شديدا هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما [فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون] } (2) [يونس:88، 89] ، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم، {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس:90، 91] ، وقال: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 84، 85] الآية. وقوله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون} : إنكار عليهم، وتهديد لهم؛ فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبا واستبعادا: {ائتنا بعذاب الله} [العنكبوت: 29] ، كما قال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب} الآية. [العنكبوت: 53] . ثم قال: {أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} أي: لو أخرناهم وأنظرناهم، وأملينا لهم برهة من الزمان وحينا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم. {ذكرى} [الأنعام: 69] يقول: إلا لها منذرون ينذرونهم تذكرة لهم، وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من PageEndV17P652 الإنذار على ما بينت، والآخر: الرفع على الابتداء، كأنه قيل: ذكرى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٥١) ↗التحرير والتنوير
بحرف الاستثناء، ولو ذكرت الواو لجاز كقوله في سورة الحجر [4] إلا ولها كتاب معلوم. وعبر عن الرسل بصفة الإنذار لأنه المناسب للتهديد بالإهلاك. [209] 209] ذكرى وما كنا ظالمين (209) أي هذه ذكرى، فذكرى في موضع رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف دلت عليه قرينة السياق كقوله تعالى في سورة الأحقاف [35] بلاغ أي هذا بلاغ، وفي سورة إبراهيم [52] هذا بلاغ للناس وفي سورة ص [49] هذا ذكر. والمعنى: هذه ذكرى لكم يا معشر قريش. وهذا المعنى هو أحسن الوجوه في موقع قوله: ذكرى وهو قول أبي إسحاق الزجاج والفراء وإن اختلفا في تقدير المحذوف قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: ليس في الشعراء وقف تام إلا قوله: إلا لها منذرون [الشعراء: 208] . وقد تردد الزمخشري في موقع قوله: ذكرى بوجوه جعلها جميعا على اعتبار قوله: ذكرى تكملة للكلام السابق وهي غير خلية عن تكلف. والذكرى: اسم مصدر ذكر. وجملة: وما كنا ظالمين يجوز أن تكون معطوفة على ذكرى أي نذكركم ولا نظلم، وأن تكون حالا من الضمير المستتر في ذكرى لأنه كالمصدر يقتضي مسندا إليه، وعلى الوجهين فمفاد وما كنا ظالمين الإعذار لكفار قريش والإنذار بأنهم سيحل بهم هلاك. وحذف مفعول ظالمين لقصد تعميمه كقوله تعالى: ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49] . [210- 212] وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) عطف على جملة: وإنه لتنزيل رب العالمين [الشعراء: 192] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذ بعضها بحجز بعض تفننا في الغرض. وهذا رد على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٩٨) ↗