سورة الشعراء · الآية ٢٠٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال عدله، في إهلاك المكذبين، وأنه ما أوقع بقرية، هلاكا وعذابا، إلا بعد أن يعذر منهم، ويبعث فيهم النذر بالآيات البينات، ويدعونهم إلى الهدى، وينهونهم عن الردى، ويذكرونهم بآيات الله، وينبهونهم على أيامه في نعمه ونقمه. { ذكرى } لهم وإقامة حجة عليهم. { وما كنا ظالمين } فنهلك القرى قبل أن ننذرهم، ونأخذهم وهم غافلون عن النذر، كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165]. ولما بين تعالى كمال القرآن وجلالته، نزهه عن كل صفة نقص، وحماه - وقت نزوله، وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس، فقال: { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم } أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم { وما يستطيعون } ذلك. { إنهم عن السمع لمعزولون } قد أبعدوا عنه، وأعدت لهم الرجوم لحفظه، ونزل به جبريل أقوى الملائكة، الذي لا يقدر شيطان أن يقربه، أو يحوم حول ساحته، وهذا كقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشعراء ٢٠٨–٢١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هم فيه من الشرك والعناد والإلحاد، الذي يستحقون به الهلاك. يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم وعنادهم في قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي: الذي يدعي ذلك {إنك لمجنون} أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا. {لو ما} أي: هلا {تأتينا بالملائكة} أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به {إن كنت من الصادقين} كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا} [الفلاقان: 21، 22] وكذا (1) قال في هذه الآية: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} وقال مجاهد في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} بالرسالة والعذاب. ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {له لحافظون} على النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق، [والله أعلم] (2) يقول تعالى مسليا لرسوله في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة رسول إلا كذبوه واستهزؤوا به. ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى. قال أنس، والحسن البصري: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} يعني: الشرك. وقوله: {وقد خلت سنة الأولين} أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٢٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهلكناهم عند ذلك، فيقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فكذلك أهل قريتك التي أنت منها وهي مكة، لا نهلك مشركي أهلها إلا بعد بلوغ كتابهم أجله، لأن من قضائي أن لا أهلك أهل قرية إلا بعد بلوغ كتابهم أجله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٤) ↗التحرير والتنوير
العذاب جائيهم وحال بهم لا محالة. وما كانوا يوعدون موصول وصلته. والعائد محذوف تقديره: يوعدونه. وجملة: ما أغنى عنهم سادة مسد مفعولي (رأيت) لأنه معلق عن العمل بسبب الاستفهام بعده. وما كانوا يمتعون موصول وصلته. والعائد محذوف تقديره: يمتعونه. والمعنى: أعلمت أن تمتيعهم بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتداده سنين عديدة غير مغن عنهم شيئا إن جاءهم العذاب بعد ذلك. وهذا كقوله تعالى: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن [هود: 8] ، وذلك أن الأمور بالخواتيم. في «تفسير القرطبي» : روى ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ثم يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الإيقاظ يقظان حازم ... ولا أنت في النوام ناج فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما سر باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم ولم أقف على صاحب هذه الأبيات قال ابن عطية: ولأبي جعفر المنصور قصة في هذه الآية. ولعل ما روي عن عمر بن عبد العزيز روي مثيله عن المنصور. [208] 208] وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) تذكير لقريش بأن القرى التي أهلكها الله والتي تقدم ذكرها في هذه السورة قد كان لها رسل ينذرونها عذاب الله ليقيسوا حالتهم على أحوال الأمم التي قبلهم. والاستثناء من أحوال محذوفة. والتقدير: وما أهلكنا من قرية في حال من الأحوال إلا في حال لها منذرون. وعريت جملة الحال عن الواو استغناء عن الواو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٩٧) ↗