سورة الشعراء · الآية ١١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كذبت قوم نوح المرسلين } إلى آخر القصة. يذكر تعالى، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح، وما رد عليهم وردوا عليه، وعاقبة الجميع، فقال: { كذبت قوم نوح المرسلين } جميعهم، وجعل تكذيب نوح كتكذيب جميع المرسلين، لأنهم كلهم اتفقوا على دعوة واحدة، وأخبار واحدة، فتكذيب أحدهم، تكذيب بجميع ما جاؤوا به من الحق، كذبوه { إذ قال لهم أخوهم } في النسب { نوح } وإنما ابتعث الله الرسل من نسب من أرسل إليهم، لئلا يشمئزوا من الانقياد له، ولأنهم يعرفون حقيقته، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم - { ألا تتقون } الله تعالى، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه من عبادة الأوثان، وتخلصون العبادة لله وحده، { إني لكم رسول أمين } فكونه رسولا إليهم بالخصوص، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم، والإيمان به، وأن يشكروا الله تعالى على أن خصهم بهذا الرسول الكريم، وكونه أمينا، يقتضي أنه لا يتقول على الله، ولا يزيد في وحيه ولا ينقص، وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فإن هذا هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم، أمينا، فلذلك رتبه بالفاء الدالة على السبب، فذكر السبب الموجب، ثم ذكر انتفاء المانع، فقال: { ومآ أسألكم عليه من أجر } فتتكلفون من المغرم الثقيل، { أجر إن أجري إلا على رب العالمين } أرجو بذلك القرب منه، والثواب الجزيل، وأما أنتم فمنيتي، ومنتهى إرادتي منكم، النصح لكم وسلوككم الصراط المستقيم. { فاتقوا الله وأطيعون } كرر ذلك عليه السلام لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك، كما قال تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت: 14] وقال: قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا الآيات [نوح: 5-6]. فقالوا ردا لدعوته، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } أي: كيف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لغده {إن في ذلك} أي: في ذلك كله {لآية لكم} أي: على صدقي فيما جئتكم به. {إن كنتم مؤمنين} {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} أي: مقرر لهم ومثبت {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فيه دلالة على أن عيسى، عليه السلام، نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون (3) فيه فأخطؤوا، فكشف (4) لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} [الزخرف: 63] والله أعلم. ثم قال: {وجئتكم بآية من ربكم} أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم. {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه} أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه {هذا صراط مستقيم} يقول تعالى: {فلما أحس عيسى} أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال قال: {من أنصاري إلى الله} قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله؟ وقال سفيان الثوري وغيره: من أنصاري مع الله؟ وقول (1) مجاهد أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: "من رجل يؤويني على [أن] (2) أبلغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٤٣٣) ↗التحرير والتنوير
وأصلها: لو أرجعنا إلى الدنيا لآمنا، لكنه إذا لم يقصد تعليق الامتناع على امتناع تمحضت (لو) للتمني لما بين الشيء الممتنع وبين كونه متمنى من المناسبة. والكرة: مرة من الكر وهو الرجوع. وانتصب فنكون في جواب التمني. [103، 104] 104] إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) تكرير ثالث لهاته الجملة تعدادا على المشركين وتسجيلا لتصميمهم. واسم الإشارة إشارة إلى كلام إبراهيم عليه السلام فإن فيه دليلا بينا على الوحدانية لله تعالى وبطلان إلهية الأصنام، فكما لم يهتد بها قوم إبراهيم فما كان أكثر المشركين بمكة بمؤمنين بها بعد سماعها، ولكن التبليغ حق على الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية. [105- 110] كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) استئناف لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناشىء عن قوله: وما كان أكثرهم مؤمنين [الشعراء: 103] أي لا تأس عليهم ولا يعظم عليك أنهم كذبوك فقد كذبت قوم نوح المرسلين وقد علم العرب رسالة نوح، وكذلك شأن أهل العقول الضالة أنهم يعرفون الأحوال وينسون أسبابها. وأنث الفعل المسند إلى قوم نوح لتأويل قوم بمعنى الأمة أو الجماعة كما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٥٦) ↗