سورة الفرقان · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من مقالة المكذبين للرسول، الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه: هلا كان ملكا أو ملكا، أو يساعده ملك، فقالوا: { مال هذا الرسول } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. { يأكل الطعام } وهذا من خصائص البشر، فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { ويمشي في الأسواق } للبيع والشراء، وهذا - بزعمهم - لا يليق بمن يكون رسولا مع أن الله قال: ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20]. { لولا أنزل إليه ملك } أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، { فيكون معه نذيرا } وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أو يلقى إليه كنز } أي: مال مجموع من غير تعب، { أو تكون له جنة يأكل منها } فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وقال الظالمون } حملهم على القول، ظلمهم لا اشتباه منهم، { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } هذا، وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم، عجيبة جدا، قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } وهي: أنه هلا كان ملكا، وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك، لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق، أو أنه كان مسحورا. { فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } قالوا أقوالا متناقضة، كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية، بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها، يجزم العاقل ببطلانها، ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام} ، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، {ويمشي في الأسواق} أي: يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة، {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} يقولون (1) : هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] . وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم؛ ولهذا قال: {أو يلقى إليه كنز} أي: علم كنز [يكون] (2) ينفق منه، {أو تكون له جنة يأكل منها} أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} . قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر" وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال: {فضلوا} أي: عن طريق الهدى، {فلا يستطيعون سبيلا} وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يصدق بعضه بعضا. ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال [تعالى] (3) {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} . قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا (4) . وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تبارك الذي إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وسلم فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء، وسألوه الآيات فكان فيما كلموه به حينئذ
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٠٢) ↗التحرير والتنوير
وعبر عن منزل القرآن بطريق الموصول لما تقتضيه الصلة من استشهاد الرسول الله على ما في سره لأن الله يعلم كل سر في كل مكان. فجملة الصلة مستعملة في لازم الفائدة وهو كون المتكلم، أي الرسول، عالما بذلك. وفي ذلك كناية عن مراقبته الله فيما يبلغه عنه. وفي ذلك إيقاظ لهم بأن يتدبروا في هذا الذي زعموه إفكا أو أساطير الأولين ليظهر لهم اشتماله على الحقائق الناصعة التي لا يحيط بها إلا الله الذي يعلم السر، فيوقنوا أن القرآن لا يكون إلا من إنزاله، وليعلموا براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستعانة بمن زعموهم يعينونه. والتعريف في السر تعريف الجنس يستغرق كل سر، ومنه إسرار الطاعنين في القرآن عن مكابرة وبهتان، أي يعلم أنهم يقولون في القرآن ما لا يعتقدونه ظلما وزورا منهم، وبهذا يعلم موقع جملة: إنه كان غفورا رحيما ترغيبا لهم في الإقلاع عن هذه المكابرة وفي اتباع دين الحق ليغفر الله لهم ويرحمهم، وذلك تعريض بأنهم إن لم يقلعوا ويتوبوا حق عليهم الغضب والنقمة. [7- 9] وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها. انتقال من حكاية مطاعنهم في القرآن وبيان إبطالها إلى حكاية مطاعنهم في الرسول عليه الصلاة والسلام. والضمير عائد إلى الذين كفروا، فمدلول الصفة مراعى كما تقدم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣٢٦) ↗