سورة الفرقان · الآية ٧
﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من مقالة المكذبين للرسول، الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه: هلا كان ملكا أو ملكا، أو يساعده ملك، فقالوا: { مال هذا الرسول } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. { يأكل الطعام } وهذا من خصائص البشر، فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { ويمشي في الأسواق } للبيع والشراء، وهذا - بزعمهم - لا يليق بمن يكون رسولا مع أن الله قال: ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20]. { لولا أنزل إليه ملك } أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، { فيكون معه نذيرا } وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أو يلقى إليه كنز } أي: مال مجموع من غير تعب، { أو تكون له جنة يأكل منها } فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وقال الظالمون } حملهم على القول، ظلمهم لا اشتباه منهم، { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } هذا، وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم، عجيبة جدا، قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } وهي: أنه هلا كان ملكا، وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك، لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق، أو أنه كان مسحورا. { فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } قالوا أقوالا متناقضة، كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية، بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها، يجزم العاقل ببطلانها، ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام} ، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، {ويمشي في الأسواق} أي: يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة، {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} يقولون (1) : هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] . وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم؛ ولهذا قال: {أو يلقى إليه كنز} أي: علم كنز [يكون] (2) ينفق منه، {أو تكون له جنة يأكل منها} أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} . قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر" وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال: {فضلوا} أي: عن طريق الهدى، {فلا يستطيعون سبيلا} وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يصدق بعضه بعضا. ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال [تعالى] (3) {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} . قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا (4) . وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تبارك الذي إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وسلم فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء، وسألوه الآيات فكان فيما كلموه به حينئذ
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٠٢) ↗التحرير والتنوير
والفرقان: القرآن وهو في الأصل مصدر فرق، كما في قوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان [الأنفال: 41] وقوله: يجعل لكم فرقانا [الأنفال: 29] . وجعل علما بالغلبة على القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل لما بين من دلائل الحق ودحض الباطل. وقد تقدم في قوله تعالى: وأنزل الفرقان في سورة آل عمران [4] . وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على الوحدانية وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرق بين الحق والباطل. ووصف النبيء ب عبده تقريب له وتمهيد لإبطال طلبهم منه في قوله: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام [الفرقان: 7] الآية. والمراد ب للعالمين جميع الأمم من البشر لأن العالم يطلق على الجنس وعلى النوع وعلى الصنف بحسب ما يسمح به المقام، والنذارة لا تكون إلا للعقلاء ممن قصدوا بالتكليف. وقد مضى الكلام على لفظ العالمين في سورة الفاتحة [2] . والنذير: المخبر بسوء يقع، وهو فعيل بمعنى مفعل بصيغة اسم الفاعل مثل الحكيم. والاقتصار في وصف الرسول هنا على النذير دون البشير كما في قوله: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا [سبأ: 28] لأن المقام هنا لتهديد المشركين إذ كذبوا بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام. فكان مقتضيا لذكر النذارة دون البشارة، وفي ذلك اكتفاء لأن البشارة تخطر ببال السامع عند ذكر النذارة. وسيجيء: وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا في هذه السورة [56] . وفي هذه الآية جمع بين التنويه بشأن القرآن وأنه منزل من الله وتنويه بشأن النبيء عليه الصلاة والسلام ورفعة منزلته عند الله وعموم رسالته. [2] 2] الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣١٧) ↗