سورة الفرقان · الآية ٧٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه، وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جريج، عن مجاهد، مثله (1) . وروى جابر الجعفي، عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} ، قال: هم في هذه الأمة (2) ، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير (3) : قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به. وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن، المقرئ (4) ، به (5) وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب (6) ، عن مالك، عن (7) أبي الرجال، أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} . هذا حديث غريب (8) . وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حريز (9) ، عن شيخ من أهل المدينة؛ أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ونهاه عنه، وأدى فرائضه، واجتنب محارمه {فأولئك يدخلون الجنة} [النساء: 124] يقول: فإن أولئك منهم خاصة يدخلون الجنة دون من هلك منهم على كفره، وإضاعته الصلاة واتباعه الشهوات. وقوله: {ولا يظلمون شيئا} [مريم: 60] يقول: ولا يبخسون من جزاء أعمالهم شيئا، ولا يجمع بينهم وبين الذين هلكوا من الخلف السوء منهم قبل توبتهم من ضلالهم، وقبل إنابتهم إلى طاعة ربهم في جهنم، ولكنهم يدخلون مدخل أهل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٧٤) ↗التحرير والتنوير
ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد، وذلك لأن دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها. وهذا معنى قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يعنون خطاب المؤاخذة على ما نهوا عن ارتكابه، وليس المراد أنهم يطلب منهم العمل إذ لا تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف بخطاب التكليف لا الإتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله. وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك. وقوله: مهانا حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة، أي يعذب ويهان إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر. وقرأ الجمهور: يضاعف بألف بعد الضاد وبجزم الفعل. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب يضاعف بتشديد العين وبالجزم. وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يضاعف بألف بعد الضاد وبرفع الفعل على أنه استئناف بياني. [70] 70] إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) الاستثناء من العموم الذي أفادته من الشرطية في قوله: ومن يفعل ذلك [الفرقان: 68] . والتقدير: إلا من تاب فلا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه، وهذا تطمين لنفوس فريق من المؤمنين الذين قد كانوا تلبسوا بخصال أهل الشرك ثم تابوا عنها بسبب توبتهم من الشرك، وإلا فليس في دعوتهم مع الله إلها آخر بعد العنوان عنهم بأنهم عباد الرحمن ثناء زائد. وفي «صحيح مسلم» : عن ابن عباس «أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان: 68] الآية، والمعنى: أنه يعفى عنه من عذاب الذنوب التي تاب منها، ولا يخطر بالبال أنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٧٥) ↗