سورة الفرقان · الآية ٦٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه، وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} . وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، به (1) . وقد أخرجه البخاري ومسلم، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل -ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به (2) ، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ الحديث. طريق غريب: وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل -حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت (3) خلوته وقلت (4) : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنوب (5) أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك".قلت: ثم مه؟ (6) قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} . [إلى آخر] (7) الآية (8) . وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع -فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا" (9) . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني، رحمه الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد (10) الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنى"؟ قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حسنات، وكان الله غفورا رحيما، ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} [الفرقان: 69] يقول تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر , فيشركون في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة {ولا يقتلون النفس التي حرم الله} [الفرقان: 68] قتلها {إلا بالحق} [الأنعام: 151] إما بكفر بالله بعد إسلامها، أو زنا بعد إحصانها، أو قتل نفس فتقتل بها {ولا يزنون} [الفرقان: 68] فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج {ومن يفعل ذلك} [البقرة: 231] يقول: ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وزنى {يلق أثاما} [الفرقان: 68] يقول: يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا، كما وصفه ربنا جل ثناؤه، وهو أنه {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 69] . ومن الأثام قول بلعاء بن قيس الكناني: [البحر الوافر] جزى الله ابن عروة حيث أمسى %~% عقوقا والعقوق له أثام يعني بالأثام: العقاب. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٠٥) ↗التحرير والتنوير
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) هذا قسم آخر من صفات عباد الرحمان، وهو قسم التخلي عن المفاسد التي كانت ملازمة لقومهم من المشركين فتنزه عباد الرحمن عنها بسبب إيمانهم، وذكر هنا تنزههم عن الشرك وقتل النفس والزنا، وهذه القبائح الثلاث كانت غالبة على المشركين. ووصف النفس ب التي حرم الله بيان لحرمة النفس التي تقررت من عهد آدم فيما حكى الله من محاورة ولدي آدم بقوله قال لأقتلنك [المائدة: 27] الآيات، فتقرر تحريم قتل النفس من أقدم أزمان البشر ولم يجهله أحد من ذرية آدم، فذلك معنى وصف النفس بالموصول في قوله التي حرم الله. وكان قتل النفس متفشيا في العرب بالعداوات، والغارات، وبالوأد في كثير من القبائل بناتهم، وبالقتل لفرط الغيرة، كما قال امرؤ القيس: تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يسرون مقتلي وقال عنترة: علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم وقوله إلا بالحق المراد به يومئذ: قتل قاتل أحدهم، وهو تهيئة لمشروعية الجهاد عقب مدة نزول هذه السورة. ولم يكن بيد المسلمين يومئذ سلطان لإقامة القصاص والحدود. ومضى الكلام على الزنا في سورة سبحان. وقد جمع التخلي عن هذه الجرائم الثلاث في صلة موصول واحد ولم يكرر اسم الموصول كما كرر في ذكر خصال تحليهم، للإشارة إلى أنهم لما أقلعوا عن الشرك ولم يدعوا مع الله إلها آخر فقد أقلعوا عن أشد القبائح لصوقا بالشرك وذلك قتل النفس والزنا. فجعل ذلك شبيه خصلة واحدة، وجعل في صلة موصول واحد.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٧٣) ↗