سورة الفرقان · الآية ٦٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه، وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} . وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، به (1) . وقد أخرجه البخاري ومسلم، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل -ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به (2) ، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ الحديث. طريق غريب: وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل -حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت (3) خلوته وقلت (4) : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنوب (5) أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك".قلت: ثم مه؟ (6) قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} . [إلى آخر] (7) الآية (8) . وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع -فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا" (9) . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني، رحمه الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد (10) الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنى"؟ قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حسنات، وكان الله غفورا رحيما، ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} [الفرقان: 69] يقول تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر , فيشركون في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة {ولا يقتلون النفس التي حرم الله} [الفرقان: 68] قتلها {إلا بالحق} [الأنعام: 151] إما بكفر بالله بعد إسلامها، أو زنا بعد إحصانها، أو قتل نفس فتقتل بها {ولا يزنون} [الفرقان: 68] فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج {ومن يفعل ذلك} [البقرة: 231] يقول: ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وزنى {يلق أثاما} [الفرقان: 68] يقول: يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا، كما وصفه ربنا جل ثناؤه، وهو أنه {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 69] . ومن الأثام قول بلعاء بن قيس الكناني: [البحر الوافر] جزى الله ابن عروة حيث أمسى %~% عقوقا والعقوق له أثام يعني بالأثام: العقاب. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٠٥) ↗التحرير والتنوير
أبدع التخلص إذ كان مفاجئا للسامع مطمعا أنه استطراد عارض كسوابقه حتى يفاجئه ما يؤذن بالختام وهو قل ما يعبؤا بكم ربي [الفرقان: 77] الآية. والمراد ب عباد الرحمن بادىء ذي بدء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصلات الثمان التي وصفوا بها في هذه الآية حكاية لأوصافهم التي اختصوا بها. وإذ قد أجريت عليهم تلك الصفات في مقام الثناء والوعد بجزاء الجنة علم أن من اتصف بتلك الصفات موعود بمثل ذلك الجزاء وقد شرفهم الله بأن جعل عنوانهم عباده، واختار لهم من الإضافة إلى اسمه اسم الرحمن لوقوع ذكرهم بعد ذكر الفريق الذين قيل لهم: اسجدوا للرحمن. قالوا: وما الرحمن [الفرقان: 60] . فإذا جعل المراد من عباد الرحمن أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم كان الخبر في قوله الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر المعطوفات وكان قوله الآتي أولئك يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] استئنافا لبيان كونهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة. وإذا كان المراد من عباد الرحمن جميع المؤمنين المتصفين بمضمون تلك الصلات كانت تلك الموصولات وصلاتها نعوتا ل عباد الرحمن وكان الخبر اسم الإشارة في قوله أولئك يجزون الغرفة [الفرقان: 75] إلخ. وفي الإطناب بصفاتهم الطيبة تعريض بأن الذين أبوا السجود للرحمان وزادهم نفورا هم على الضد من تلك المحامد، تعريضا تشعر به إضافة عباد إلى الرحمن. واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على عباد الرحمن جاءت على أربعة أقسام: قسم هو من التحلي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدئ بها من قوله تعالى الذين يمشون على الأرض هونا إلى قوله سلاما [الفرقان: 75] . وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان: 68] . وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام وهو قوله: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما [الفرقان: 64] ،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٦٧) ↗