البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفرقان · الآية ٦٧

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه، وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما (1) المراد بالهون هاهنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (2) . وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن يحيى (3) بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم -والله -الأسماع والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قل علمه (4) وحضر عذابه. وقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أي: إذا سفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55] . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وسب رجل رجلا عنده، قال: فجعل الرجل المسبوب …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله، وإن قلت. قال: وإياها عني الله، وسماها إسرافا قالوا: والإقتار المنع من حق الله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٩٧) ↗

التحرير والتنوير

وقوله والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا [الفرقان: 67] الآية، وقوله: ولا يقتلون النفس إلى قوله لا يشهدون الزور [الفرقان: 68- 72] إلخ. وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا إلى قوله: للمتقين إماما [الفرقان: 74] . وظاهر قوله يمشون على الأرض هونا أنه مدح لمشية بالأرجل وهو الذي حمل عليه جمهور المفسرين. وجوز الزجاج أن يكون قوله يمشون عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس فعبر عن ذلك بالانتقال في الأرض وتبعه ابن عطية وهذا الذي ذكره مأخوذ مما روي عن زيد ابن أسلم كما سيأتي. فعلى الوجه الأول يكون تقييد المشي بأنه على الأرض ليكون في وصفه بالهون ما يقتضي أنهم يمشون كذلك اختيارا وليس ذلك عند المشي في الصعدات أو على الجنادل. والهون: اللين والرفق. ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره (مشيا) فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق. والمشي الهون: هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفق النعال فهو مخالف لمشي المتجبرين المعجبين بنفوسهم وقوتهم. وهذا الهون ناشىء عن التواضع لله تعالى والتخلق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية. وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال له «إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله» . وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله سبحانه وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا فاقصد في مشيتك، وحكى الله تعالى عن لقمان قوله لابنه ولا تمش في الأرض مرحا [الإسراء: 37] . والتخلق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمان لأن الرحمة ضد الشدة، فالهون يناسب ماهيتها وفيه سلامة من صدم المارين. وعن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: الذين يمشون على الأرض هونا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٦٨) ↗