سورة الفرقان · الآية ٥٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان، البحر العذب، وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض، والبحر الملح، وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد، { وجعل بينهما برزخا } أي: حاجزا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر، فتذهب المنفعة المقصودة منها { وحجرا محجورا } أي: حاجزا حصينا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفرقان ٥٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال. قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا الذي لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر بالواقع (1) لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا وعيونا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم. وقوله: {وهذا ملح أجاج} أي: مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر، وما شاكلها وشابهها (2) من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تتموج وتضطرب وتغتلم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض (3) ، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت، حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة (4) ثم تشرع في النقص، فأجرى الله سبحانه وتعالى -وله القدرة التامة -العادة بذلك. فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان. ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". رواه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل السنن بإسناد جيد (5) . وقوله: {وجعل بينهما برزخا وحجرا} أي: بين العذب والمالح {برزخا} أي: حاجزا، وهو اليبس من الأرض، {وحجرا محجورا} أي: مانعا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كما قال: {مرج …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الشيء حتى اختلط بغيره، فكأنه قد مرجه؛ ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله لعبد الله بن عمرو: «كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا» وشبك بين أصابعه. يعني بقوله: قد مرجت: اختلطت، ومنه قول الله: {في أمر مريج} [ق: 5] أي: مختلط. وإنما قيل للمرج مرج من ذلك، لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب، ويقال: مرجت دابتك: أي خليتها تذهب حيث شاءت. ومنه قول الراجز: [البحر الرجز] رعى بها مرج ربيع ممرجا وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٧١) ↗التحرير والتنوير
وتفريع فلا تطع الكافرين على جملة ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا لأنها تتضمن أنه مرسل إلى المشركين من أهل مكة وهم يطلبون منه الكف عن دعوتهم وعن تنقص أصنامهم. والنهي مستعمل في التحذير والتذكير، وفعل تطع في سياق النهي يفيد عموم التحذير من أدنى طاعة. والطاعة: عمل المرء بما يطلب منه، أي فلا تهن في الدعوة رعيا لرغبتهم أن تلين لهم. وبعد أن حذره من الوهن في الدعوة أمره بالحرص والمبالغة فيها. وعبر عن ذلك بالجهاد وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة. وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف ولذلك وصف بالجهاد الكبير، أي الجامع لكل مجاهدة. وضمير به عائد إلى غير مذكور: فإما أن يعود إلى القرآن لأنه مفهوم من مقام النذارة، وإما أن يعود إلى المفهوم من «لا تطع» وهو الثبات على دعوته بأن يعصيهم، فإن النهي عن الشيء أمر بضده كما دل عليه قول أبي حية النميري: فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإن لم تقتليه فألمم فقابل قوله: «لا يرح صحيحا» بقوله: «وإن لم تقتليه فألمم» كأنه قال: فديناك فاقتليه. والمعنى: قاومهم بصبرك. وكبر الجهاد تكريره والعزم فيه وشدة ما يلقاه في ذلك من المشقة. وهذا كقول النبيء صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند قفوله من بعض غزواته «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . قالوا: «وما الجهاد الأكبر» ؟ - قال: مجاهدة العبد هواه» . رواه البيهقي بسند ضعيف. [53] 53] وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) عود إلى الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق. جمعت هذه الآية استدلالا وتمثيلا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٥٣) ↗