سورة الفرقان · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن نفوذ مشيئته، وأنه لو شاء لبعث في كل قرية نذيرا، أي: رسولا ينذرهم ويحذرهم، فمشيئته غير قاصرة عن ذلك، ولكن اقتضت حكمته ورحمته بك وبالعباد - يا محمد - أن أرسلك إلى جميعهم، أحمرهم وأسودهم، عربيهم وعجميهم، إنسهم وجنهم. { فلا تطع الكافرين } في ترك شيء مما أرسلت به، بل ابذل جهدك في تبليغ ما أرسلت به. { وجاهدهم } بالقرآن { جهادا كبيرا } أي: لا تبق من مجهودك في نصر الحق، وقمع الباطل، إلا بذلته، ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت، فابذل جهدك، واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفرقان ٥١–٥٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال. قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا الذي لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر بالواقع (1) لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا وعيونا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم. وقوله: {وهذا ملح أجاج} أي: مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر، وما شاكلها وشابهها (2) من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تتموج وتضطرب وتغتلم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض (3) ، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت، حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة (4) ثم تشرع في النقص، فأجرى الله سبحانه وتعالى -وله القدرة التامة -العادة بذلك. فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان. ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". رواه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل السنن بإسناد جيد (5) . وقوله: {وجعل بينهما برزخا وحجرا} أي: بين العذب والمالح {برزخا} أي: حاجزا، وهو اليبس من الأرض، {وحجرا محجورا} أي: مانعا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كما قال: {مرج …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مؤنة عظيمة، ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعد الله لك من الكرامة عنده والمنازل الرفيعة قبله. فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات، ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيرا، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها. وبنحو الذي قلنا في قوله: {وجاهدهم به} [الفرقان: 52] قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٧٠) ↗التحرير والتنوير
… الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية الراجعة إلى الجهة الثالثة من المقدمة العاشرة لهذا التفسير. وجوز فريق أن يكون ضمير صرفناه عائدا إلى غير مذكور معلوم في المقام مراد به القرآن قالوا لأنه المقصود في هذه السورة فإنها افتتحت بذكره، وتكرر في قوله: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا [الفرقان: 30] . وأصل هذا التأويل مروي عن عطاء، ولقوله بعده وجاهدهم به جهادا كبيرا [الفرقان: 52] . وقيل الضمير عائد إلى الكلام المذكور، أي ولقد صرفنا هذا الكلام وكررناه على ألسنة الرسل ليذكروا. [51، 52] ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) جملة اعتراض بين ذكر دلائل تفرد الله بالخلق وذكر منته على الخلق. ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريعها بموقع الآية التي قبلها خفية. وقال ابن عطية في قوله ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا: اقتضاب يدل عليه ما ذكر. تقديره: ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك فلا تطع الكافرين اه. فإن كان عنى بقوله: اقتضاب، معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب والبيان، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقل منه والكلام المنتقل إليه، كان عدولا عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها، وليس الخلو عن المناسبة ببدع فقد قال صاحب «تلخيص المفتاح» «وقد ينقل منه (أي مما شبب به الكلام) إلى ما لا يلائمه (أي لا يناسب المنتقل منه) ويسمى الاقتضاب وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين» إلخ. وإذا كان ابن عطية عنى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٥١) ↗