سورة الفرقان · الآية ٤٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات [الله]، المستكبرون في الأرض، استهزؤوا بك واحتقروك، وقالوا - على وجه الاحتقار والاستصغار -: { أهذا الذي بعث الله رسولا } أي: غير مناسب ولا لائق، أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم، وقلبهم الحقائق، فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول - حاشاه - في غاية الخسة والحقارة، وأنه لو كانت الرسالة لغيره، لكان أنسب. وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] فهذا الكلام، لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم، أو من أعظمهم عنادا، وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وجده رجل العالم وهمامهم، ومقدمهم في العقل، والعلم، واللب، والرزانة، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، والعفة، والشجاعة، والكرم، وكل خلق فاضل، وأن المحتقر له، والشانئ له، قد جمع من السفه والجهل، والضلال، والتناقض، والظلم، والعدوان، ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلا وضلالا، أن يقدح بهذا الرسول العظيم، والهمام الكريم. والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به، تصلبهم على باطلهم، وغرورا لضعفاء العقول، ولهذا قالوا: { إن كاد } هذا الرجل { ليضلنا عن آلهتنا } بأن يجعل الآلهة إلها واحدا { لولا أن صبرنا عليها } لأضلنا، زعموا - قبحهم الله - أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من الشرك، فلهذا تواصوا بالصبر عليه. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم [ص: 6]. وهنا قالوا: { آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع، فإنه صبر على أسباب الغضب، وعلى الاستكثار من حطب جهنم. وأما المؤمنون، فهم كما قال الله عنهم: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] ولما كان هذا حكما منهم، بأنهم المهتدون والرسول ضال، وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم، توعدهم بالعذاب، وأخبر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، إذا رأوه، كما قال: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم} [الأنبياء: 36] يعنونه بالعيب والنقص، وقال هاهنا: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} ؟ أي: على سبيل التنقص (1) والازدراء -قبحهم الله -كما قال: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} [الرعد: 32] . وقولهم (2) : {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} يعنون: أنه كاد يثنيهم عن عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها. قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} . ثم قال تعالى لنبيه، منبها له أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله. {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه، كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر:8] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أفأنت تكون عليه وكيلا} . قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول. ثم قال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} أي: أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم. من هاهنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ؟ قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١١٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر يعبده، فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه؛ فلذلك قال جل ثناؤه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا} [الفرقان: 43] يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟ {أم تحسب} [الفرقان: 44] يا محمد أن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٥٩) ↗التحرير والتنوير
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) انتقال عن التأييس من اهتدائهم لغلبة الهوى على عقولهم إلى التحذير من أن يظن بهم إدراك الدلائل والحجج، وهذا توجيه ثان للإعراض عن مجادلتهم التي أنبأ عنها قوله تعالى: وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا [الفرقان: 42] ، ف أم منقطعة للإضراب الانتقالي من إنكار إلى إنكار وهي مؤذنة باستفهام عطفته على الاستفهام الذي قبلها. والتقدير: أم أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. والمراد من نفي أن أكثرهم يسمعون نفي أثر السماع وهو فهم الحق لأن ما يلقيه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتاب فيه إلا من هو كالذي لم يسمعه. وهذا كقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين [النمل: 80] . وعطف أو يعقلون على يسمعون لنفي أن يكونوا يعقلون الدلائل غير المقالية وهي دلائل الكائنات قال تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] . وإنما نفي فهم الأدلة السمعية والعقلية عن أكثرهم دون جميعهم، لأن هذا حال دهمائهم ومقلديهم، وفيهم معشر عقلاء يفهمون ويستدلون بالكائنات ولكنهم غلب عليهم حب الرئاسة وأنفوا من أن يعودوا أتباعا للنبيء صلى الله عليه وسلم ومساوين للمؤمنين من ضعفاء قريش وعبيدهم مثل عمار، وبلال. وجملة إن هم إلا كالأنعام مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما تقدم من إنكار أنهم يسمعون يثير في نفس السامعين سؤالا عن نفي فهمهم لما يسمعون مع سلامة حواس السمع منهم، فكان تشبيههم بالأنعام تبيينا للجمع بين حصول اختراق أصوات الدعوة آذانهم مع عدم انتفاعهم بها لعدم تهيئهم للاهتمام بها، فالغرض من التشبيه التقريب والإمكان كقول أبي الطيب: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وضمائر الجمع عائدة إلى أكثرهم باعتبار معنى لفظه كما عاد عليه ضمير يسمعون.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٣٧) ↗