البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفرقان · الآية ٤٣

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات [الله]، المستكبرون في الأرض، استهزؤوا بك واحتقروك، وقالوا - على وجه الاحتقار والاستصغار -: { أهذا الذي بعث الله رسولا } أي: غير مناسب ولا لائق، أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم، وقلبهم الحقائق، فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول - حاشاه - في غاية الخسة والحقارة، وأنه لو كانت الرسالة لغيره، لكان أنسب. وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] فهذا الكلام، لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم، أو من أعظمهم عنادا، وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وجده رجل العالم وهمامهم، ومقدمهم في العقل، والعلم، واللب، والرزانة، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، والعفة، والشجاعة، والكرم، وكل خلق فاضل، وأن المحتقر له، والشانئ له، قد جمع من السفه والجهل، والضلال، والتناقض، والظلم، والعدوان، ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلا وضلالا، أن يقدح بهذا الرسول العظيم، والهمام الكريم. والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به، تصلبهم على باطلهم، وغرورا لضعفاء العقول، ولهذا قالوا: { إن كاد } هذا الرجل { ليضلنا عن آلهتنا } بأن يجعل الآلهة إلها واحدا { لولا أن صبرنا عليها } لأضلنا، زعموا - قبحهم الله - أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من الشرك، فلهذا تواصوا بالصبر عليه. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم [ص: 6]. وهنا قالوا: { آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع، فإنه صبر على أسباب الغضب، وعلى الاستكثار من حطب جهنم. وأما المؤمنون، فهم كما قال الله عنهم: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] ولما كان هذا حكما منهم، بأنهم المهتدون والرسول ضال، وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم، توعدهم بالعذاب، وأخبر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، إذا رأوه، كما قال: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم} [الأنبياء: 36] يعنونه بالعيب والنقص، وقال هاهنا: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} ؟ أي: على سبيل التنقص (1) والازدراء -قبحهم الله -كما قال: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} [الرعد: 32] . وقولهم (2) : {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} يعنون: أنه كاد يثنيهم عن عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها. قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} . ثم قال تعالى لنبيه، منبها له أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله. {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه، كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر:8] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أفأنت تكون عليه وكيلا} . قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول. ثم قال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} أي: أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم. من هاهنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ؟ قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١١٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر يعبده، فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه؛ فلذلك قال جل ثناؤه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا} [الفرقان: 43] يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟ {أم تحسب} [الفرقان: 44] يا محمد أن

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٥٩) ↗

التحرير والتنوير

ذلك للاهتمام وتقييد الخبر بعد إطلاقه، ولذا قال في «الكشاف» : «لولا في مثل هذا الكلام جار مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى لا من حيث الصنعة» فهذا شأن الشروط الواقعة بعد كلام مقصود لذاته كقوله تعالى: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إلى قوله: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي [الممتحنة: 1] فإن قوله: إن كنتم قيد في المعنى للنهي عن موالاة أعداء الله. وتأخير الشرط ليظهر أنه قيد للفعل الذي هو دليل الجواب. قال في «الكشاف» : إن كنتم خرجتم متعلق ب لا تتخذوا يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه» اه. وكذلك ما قدم فيه على الشرط ما حقه أن يكون جوابا للشرط تقديما لقصد الاهتمام بالجواب كقوله تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] . وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. هذا جواب قولهم إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها المتضمن أنهم على هدى في دينهم، وكان الجواب بقطع مجادلتهم وإحالتهم على حين رؤيتهم العذاب ينزل بهم، فتضمن ذلك وعيدا بعذاب. والأظهر أن المراد عذاب السيف النازل بهم يوم بدر، وممن رآه أبو جهل سيد أهل الوادي، وزعيم القالة في ذلك النادي. ولما كان الجواب بالإعراض عن المحاجة ارتكب فيه أسلوب التهكم بجعل ما ينكشف عنه المستقبل هو معرفة من هو أشد ضلالا من الفريقين على طريقة المجاراة وإرخاء العنان للمخطىء إلى أن يقف على خطئه وقد قال أبو جهل يوم بدر وهو مثخن بالجراح في حالة النزع لما قال له عبد الله بن مسعود: أنت أبو جهل؟ فقال: «وهل أعمد من رجل قتله قومه» . ومن الاستفهامية أوجبت تعليق فعل يعلمون عن العمل. [43] 43] أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) استئناف خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخطر بنفسه من الحزن على تكرر

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٣٤) ↗