سورة النور · الآية ٤٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينبه عباده على ما يشاهدونه، أنه خلق جميع الدواب التي على وجه الأرض، { من مآء } أي: مادتها كلها الماء، كما قال تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء [الأنبياء: 30]. فالحيوانات التي تتوالد، مادتها ماء النطفة، حين يلقح الذكر الأنثى. والحيوانات التي تتولد من الأرض، لا تتولد إلا من الرطوبات المائية، كالحشرات لا يوجد منها شيء، يتولد من غير ماء أبدا، فالمادة واحدة، ولكن الخلقة مختلفة من وجوه كثيرة، { فمنهم من يمشي على بطنه } كالحية ونحوها، { ومنهم من يمشي على رجلين } كالآدميين، وكثير من الطيور، { ومنهم من يمشي على أربع } كبهيمة الأنعام ونحوها. فاختلافها - مع أن الأصل واحد - يدل على نفوذ مشيئة الله، وعموم قدرته، ولهذا قال: { يخلق الله ما يشآء } أي: من المخلوقات، على ما يشاؤه من الصفات، { إن الله على كل شيء قدير } كما أنزل المطر على الأرض، وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [الرعد: 4].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النور ٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… اسم الصحفة والقدر، قال: نعم حتى الفسوة والفسية (2) . وقال مجاهد: {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء. وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف: أنه علمه أسماء كل شيء، وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم. واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية؛ لأنه قال: {ثم عرضهم} وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} [النور: 45] . [وقد قرأ عبد الله بن مسعود: "ثم عرضهن" وقرأ أبي بن كعب: "ثم عرضها" أي: السماوات] (3) . والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفسية. يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا مسلم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال -: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم؛ فيقول: ائتوا موسى عبدا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
(والله خالق كل دابة) وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم: {والله خلق كل دابة} [النور: 45] بنصب كل، و {خلق} [البقرة: 29] على مثال (فعل) . وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الإضافة في قراءة من قرأ PageEndV17P340 ذلك (خالق) تدل على أن معنى ذلك المضي، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٣٩) ↗التحرير والتنوير
وقيل: الإشارة بقوله: إن في ذلك إلى جميع ما ذكر آنفا ابتداء من قوله: ألم تر أن الله يزجي سحابا [النور: 43] فيكون الإفراد في قوله: لعبرة ناظرا إلى أن مجموع ذلك يفيد جنس العبرة الجامعة لليقين بأن الله هو المتصرف في الكون. ولم ترد العبرة في القرآن معرفة بلام الجنس ولا مذكورة بلفظ الجمع. [45] 45] والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) لما كان الاعتبار بتساوي أجناس الحيوان في أصل التكوين من ماء التناسل مع الاختلاف في أول أحوال تلك الأجناس في آثار الخلقة وهو حال المشي إنما هو باستمرار ذلك النظام بدون تخلف وكان ذلك محققا كان إفراغ هذا المعنى بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيدا لأمرين: التحقق بالتقديم على الخبر الفعلي. والتجدد بكون الخبر فعليا. وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار للتنويه بهذا الخلق العجيب. واختير فعل المضي للدلالة على تقرير التقوى بأن هذا شأن متقرر منذ القدم مع عدم فوات الدلالة على التكرير حيث عقب الكلام بقوله: يخلق الله ما يشاء. وقرأ الجمهور والله خلق كل دابة بصيغة فعل المضي ونصب كل. وقرأه الكسائي والله خالق كل دابة بصيغة اسم الفاعل وجر كل بإضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٦٥) ↗