سورة النور · الآية ٤٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ألم تشاهد ببصرك، عظيم قدرة الله، وكيف { يزجي } أي: يسوق { سحابا } قطعا متفرقة { ثم يؤلف } بين تلك القطع، فيجعله سحابا متراكما، مثل الجبال. { فترى الودق } أي: الوابل والمطر، يخرج من خلال السحاب، نقطا متفرقة، ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر، فتمتلئ بذلك الغدران، وتتدفق الخلجان، وتسيل الأودية، وتنبت الأرض من كل زوج كريم، وتارة ينزل الله من ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه. { فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء } بحسب ما اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، { يكاد سنا برقه } أي: يكاد ضوء برق ذلك السحاب، من شدته { يذهب بالأبصار } أليس الذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة؟. { يقلب الله الليل والنهار } من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويديل الأيام بين عباده، { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } أي: لذوي البصائر، والعقول النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة الحسية. فالبصير ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكر وتدبر لما أريد بها ومنها، والمعرض الجاهل نظره إليها نظر غفلة، بمنزلة نظر البهائم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النور ٤٣–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المفسرين إلى أن قوله: {من جبال فيها من برد} ومعناه: أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد. وأما من جعل الجبال ههنا عبارة (1) عن السحاب، فإن "من" الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضا، لكنها بدل من الأولى، والله أعلم. وقوله: {فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} يحتمل أن يكون المراد بقوله: {فيصيب به} أي: بما ينزل من السماء من نوعي البرد والمطر (2) فيكون قوله: {فيصيب به من يشاء} رحمة لهم، {ويصرفه عن من يشاء} أي: يؤخر عنهم الغيث. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فيصيب به} أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم. ويصرفه عمن يشاء [أي:] (3) رحمة بهم. وقوله: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته. وقوله {يقلب الله الليل والنهار} أي: يتصرف فيهما، فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا. والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه. {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي: لدليلا على عظمته تعالى، كما قال الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] . وما بعدها من الآيات الكريمات. يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه أنواع [المخلوقات] (4) . على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، من ماء واحد، {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحية وما شاكلها، {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنسان والطير، {ومنهم من يمشي على أربع} كالأنعام وسائر الحيوانات؛ ولهذا قال: {يخلق الله ما يشاء} أي: بقدرته؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا قال: {إن الله على كل شيء قدير} . يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم (5) والأمثال البينة المحكمة، كثيرا (6) جدا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأبصار} [النور: 44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ألم تر} [البقرة: 243] يا محمد {أن الله يزجي} [النور: 43] يعني يسوق {سحابا} [الأعراف: 57] حيث يريد. {ثم يؤلف بينه} [النور: 43] يقول: ثم يؤلف بين السحاب. وأضاف (بين) إلى السحاب، ولم يذكر مع غيره، و (بين) لا تكون مضافة إلا إلى جماعة أو اثنين، لأن السحاب في معنى جمع، واحده سحابة، كما يجمع النخلة: نخل، والتمرة تمر، فهو نظير قول قائل: جلس فلان بين النخل. وتأليف الله السحاب: جمعه بين متفرقها. وقوله: {ثم يجعله ركاما} [النور: 43] يقول: ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلى بعض {ركاما} [النور: 43] يعني: متراكما بعضه على بعض
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٣٥) ↗التحرير والتنوير
ولام التعريف في بالأبصار لام الحقيقة. وقوله: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار هو كقوله في سورة البقرة [20] يكاد البرق يخطف أبصارهم سوى أن هذه الآية زيد فيها لفظ سنا لأن هذه الآية واردة في مقام الاعتبار بتكوين السحاب وإنزال الغيث فكان المقام مقتضيا للتنويه بهذا البرق وشدة ضيائه حتى يكون الاعتبار بأمرين: بتكوين البرق في السحاب. وبقوة ضيائه حتى يكاد يذهب بالأبصار. وآية البقرة واردة في مقام التهديد والتشويه لحالهم حين كانوا مظهرين الإسلام ومنطوين على الكفر والجحود فكانت حالهم كحالة الغيث المشتمل على صواعق ورعد وبرق فظاهره منفعة وفي باطنه قوارع ومصائب. ومن أجل اختلاف المقامين وضع التعبير هنا ب يذهب بالأبصار وهنالك بقوله: يخطف أبصارهم لأن في الخطف من معنى النكاية بهم والتسلط عليهم ما ليس في يذهب إذ هو مجرد الاستلاب. وأما التعبير هنا بالأبصار معرفا باللام فلأن المقصود أن البرق مقارب أن يزيل طائفة من جنس الأبصار إذ اللام هنا لام الحقيقة كما في قوله: أن يأكله الذئب [يوسف: 13] وقولهم: ادخل السوق، لأن الحكم على حالة البرق الشديد من حيث هي. بخلاف آية البقرة فإنها في مقام التوبيخ لهم بأن ما شأنه أن ينتفع الناس به قد أشرف على الضر بهم فلذلك ذكر لفظ أبصار مضافا إلى ضميرهم مع ما في هذا التخالف من تفنين الكلام الواحد على أفانين مختلفة حتى لا يكون الكلام معادا وإن كان المعنى متحدا ولا تجد حق الإيجاز فائتا فإن هذين الكلامين في حد التساوي في الحروف والنطق. وهكذا نرى بلاغة القرآن وإعجازه وحلاوة نظمه. وقرأ الجمهور يذهب بفتح التحتية وفتح الهاء، فالباء للتعدية، أي يذهب الأبصار. وقرأه أبو جعفر وحده بضم التحتية وكسر الهاء فتكون الباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل وامسحوا برؤسكم [المائدة: 6] . [44] 44] يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٦٣) ↗