سورة المؤمنون · الآية ٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قرونا آخرين. كل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، لا تتقدم عنه ولا تتأخر، وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقية ما جاؤوا به، { فأتبعنا بعضهم بعضا } بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وجعلناهم أحاديث } يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم. { فبعدا لقوم لا يؤمنون } ما أشقاهم!!. وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم!!.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٤٢–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لا ينتفع بشيء منه. {فبعدا للقوم الظالمين} ، كقوله (1) : {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم. يقول تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أمما وخلائق، {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} يعني (1) : بل يؤخذون (2) حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} : قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا. وهذه كقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقوله: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] . وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: أهلكناهم، كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبارا وأحاديث للناس، كقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [الآية] (3) [سبأ: 19] [ {فبعدا لقوم لا يؤمنون} ] (4) . يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٧٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٧) ↗التحرير والتنوير
واللام في للقوم الظالمين للتبيين وهي مبينة للمقصود بالدعاء زيادة في البيان كما في قولهم: سحقا لك وتبا له، فإنه لو قيل: فبعدا، لعلم أنه دعاء عليه فبزيادة اللام يزيد بيان المدعو عليهم وهي متعلقة بمحذوف مستأنف للبيان. [42، 43] ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا [الفرقان: 38] . وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة هود أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومىء إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع، أو لأنهم كانوا على شرائع سابقة. وجملة ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون معترضة بين المتعاطفة. وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله: ثم أنشأنا من بعدهم قرونا من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم ب آخرين من جهل الناس بهم، ولما يؤذن به عطف جملة ثم أرسلنا رسلنا تترا [المؤمنون: 44] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفا في قوله ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين دون أن تجيئهم رسل، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم. فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عينه الله يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده، أو يعمر بعده قرن كان معاصرا له، وأن ما عين لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى: لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [يونس: 49] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٦٠) ↗