سورة المؤمنون · الآية ٤١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر نوحا وقومه، وكيف أهلكهم قال: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } الظاهر أنهم " ثمود " قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم. { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } من جنسهم، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم، إذا كان منهم، وأبعد عن اشمئزازهم، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم، الأمر بعبادة الله، والإخبار أنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال: { أفلا تتقون } ربكم، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام. { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا وتحذيرا منه: { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم { يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } فما الذي يفضله عليكم؟ فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل، نادمون على ما فعلتم. وهذا من العجب، فإن الخسارة والندامة حقيقة لمن لم يتابعه ولم ينقد له. والجهل والسفه العظيم لمن تكبر عن الانقياد لبشر، خصه الله بوحيه، وفضله برسالته، وابتلي بعبادة الشجر والحجر. وهذا نظير قولهم: فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر [القمر: 24-25] فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال فقالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون } أي بعيد بعيد ما يعدكم به، من البعث، بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما، فنظروا نظرا قاصرا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لا ينتفع بشيء منه. {فبعدا للقوم الظالمين} ، كقوله (1) : {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم. يقول تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أمما وخلائق، {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} يعني (1) : بل يؤخذون (2) حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} : قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا. وهذه كقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقوله: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] . وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: أهلكناهم، كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبارا وأحاديث للناس، كقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [الآية] (3) [سبأ: 19] [ {فبعدا لقوم لا يؤمنون} ] (4) . يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٧٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٥) ↗التحرير والتنوير
كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك، فيجاب بأنه توجه إلى الله الذي أرسله بالدعاء بأن ينصره عليهم. وتقدم القول في نظيره آنفا في قصة نوح. وجاء جواب دعاء هذا الرسول غير معطوف لأنه جرى على أسلوب حكاية المحاورات الذي بيناه في مواضع منها قوله: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة [30] . وعما قليل أفاد حرف (عن) المجاوزة، أي مجاوزة معنى متعلقها الاسم المجرور بها. ويكثر أن تفيد مجاوزة معنى متعلقها الاسم المجرور بها فينشأ منها معنى (بعد) نحو لتركبن طبقا عن طبق [الانشقاق: 19] فيقال: إنها تجيء بمعنى (بعد) كما ذكره النحاة وهم جروا على الظاهر وتفسير المعنى إذ لا يكون حرف بمعنى اسم، فإن معاني الحروف ناقصة ومعاني الأسماء تامة. فمعنى عما قليل ليصبحن نادمين: أن إصباحهم نادمين يتجاوز زمنا قليلا: أي من زمان التكلم وهو تجاوز مجازي بحرف (عن) مستعار لمعنى (بعد) استعارة تبعية. وما زائدة للتوكيد. وقليل صفة لموصوف محذوف دل عليه السياق أو فعل الإصباح الذي هو من أفعال الزمن فوعد الله هذا الرسول نصرا عاجلا. وندمهم يكون عند رؤية مبدأ الاستئصال ولا ينفعهم ندمهم بعد حلول العذاب. والإصباح هنا مراد به زمن الصباح لا معنى الصيرورة بدليل قوله في سورة الحجر [83] فأخذتهم الصيحة مصبحين. [41] فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٥٨) ↗