سورة المؤمنون · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قرونا آخرين. كل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، لا تتقدم عنه ولا تتأخر، وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقية ما جاؤوا به، { فأتبعنا بعضهم بعضا } بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وجعلناهم أحاديث } يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم. { فبعدا لقوم لا يؤمنون } ما أشقاهم!!. وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم!!.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٤٢–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هم فيه من الشرك والعناد والإلحاد، الذي يستحقون به الهلاك. يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم وعنادهم في قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي: الذي يدعي ذلك {إنك لمجنون} أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا. {لو ما} أي: هلا {تأتينا بالملائكة} أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به {إن كنت من الصادقين} كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا} [الفلاقان: 21، 22] وكذا (1) قال في هذه الآية: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} وقال مجاهد في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} بالرسالة والعذاب. ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {له لحافظون} على النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق، [والله أعلم] (2) يقول تعالى مسليا لرسوله في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة رسول إلا كذبوه واستهزؤوا به. ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى. قال أنس، والحسن البصري: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} يعني: الشرك. وقوله: {وقد خلت سنة الأولين} أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٢٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} [الحجر: 5] قال: «نرى PageEndV14P015 أنه إذا حضر أجله فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم، وأما ما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٤) ↗التحرير والتنوير
واللام في للقوم الظالمين للتبيين وهي مبينة للمقصود بالدعاء زيادة في البيان كما في قولهم: سحقا لك وتبا له، فإنه لو قيل: فبعدا، لعلم أنه دعاء عليه فبزيادة اللام يزيد بيان المدعو عليهم وهي متعلقة بمحذوف مستأنف للبيان. [42، 43] ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا [الفرقان: 38] . وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة هود أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومىء إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع، أو لأنهم كانوا على شرائع سابقة. وجملة ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون معترضة بين المتعاطفة. وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله: ثم أنشأنا من بعدهم قرونا من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم ب آخرين من جهل الناس بهم، ولما يؤذن به عطف جملة ثم أرسلنا رسلنا تترا [المؤمنون: 44] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفا في قوله ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين دون أن تجيئهم رسل، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم. فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عينه الله يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده، أو يعمر بعده قرن كان معاصرا له، وأن ما عين لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى: لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [يونس: 49] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٦٠) ↗