البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المؤمنون · الآية ١١٥

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { أفحسبتم } أيها الخلق { أنما خلقناكم عبثا } أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، و[لا] ننهاكم ولا نثيبكم، ونعاقبكم؟ ولهذا قال: { وأنكم إلينا لا ترجعون } لا يخطر هذا ببالكم، { فتعالى الله } أي: تعاظم وانتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته. { الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } فكونه ملكا للخلق كلهم حقا، في صدقه، ووعده، ووعيده، مألوها معبودا، لما له من الكمال { رب العرش الكريم } فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ١١٥–١١٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون، {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} أي: الحاسبين {قال إن لبثتم إلا قليلا} أي: مدة يسيرة على كل تقدير {لو أنكم كنتم تعلمون} أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته (1) -كما فعل المؤمنون-لفزتم كما فازوا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكلاعي؛ أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين؟ ثم يقول: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين" (2) . وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] ، يعني هملا (3) . وقوله: {فتعالى الله الملك الحق} أي: تقدس أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} ، فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي: حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} [لقمان: 10] . قال ابن أبي حاتم: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

القول الذي بيناه قبل في قوله: {كم لبثتم} [الكهف: 19] وتأويل الكلام على قراءتنا: قال الله لهم: ما لبثتم في الأرض إلا قليلا يسيرا لو أنكم كنتم تعلمون قدر لبثكم فيها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٣٢) ↗

التحرير والتنوير

المتفق، وأكثرها مختلف، وأكثر اتفاق أهوائهم حاصل بالشرك، فلو كان الحق الثابت في الواقع موافقا لمزاعمهم لاختلت أصول انتظام العوالم. فإن مبدأ الحقائق هو حقيقة الخالق تعالى، فلو كانت الحقيقة هي تعدد الآلهة لفسدت العوالم بحكم قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] وقد تقدم تفصيله في سورة الأنبياء. وذلك أصل الحق وقوامه وانتقاضه انتقاض لنظام السموات والأرض كما تقدم. وقد قال الله تعالى في هذه السورة ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله [المؤمنون: 91] الآية، فمن هواهم الباطل أن جعلوا من كمال الله أن يكون له ولد. ثم ننتقل بالبحث إلى بقية حقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق لو فرض أن يكون الثابت نقيض ذلك لتسرب الفساد إلى السموات والأرض ومن فيهن. فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل فلم يعمل أحد خيرا إذ لا رجاء في ثواب. ولم يترك أحد شرا إلا إذ لا خوف من عقاب فيغمر الشر الخير والباطل الحق وذلك فساد لمن في السموات والأرض قال تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115] . وكذا لو كان الحق حسن الاعتداء والباطل قبح العدل لارتمى الناس بعضهم على بعض بالإهلاك جهد المستطاع فهلك الضرع والزرع قال تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: 205] ، وهكذا الحال في أهوائهم المختلفة. ويزيد أمرها فسادا بأن يتبع الحق كل ساعة هوى مخالفا للهوى الذي اتبعه قبل ذلك فلا يستقر نظام ولا قانون. وهذا المعنى ناظر إلى معنى قوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون [الدخان: 38، 39] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٩٣) ↗