سورة المؤمنون · الآية ١١٦
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { أفحسبتم } أيها الخلق { أنما خلقناكم عبثا } أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، و[لا] ننهاكم ولا نثيبكم، ونعاقبكم؟ ولهذا قال: { وأنكم إلينا لا ترجعون } لا يخطر هذا ببالكم، { فتعالى الله } أي: تعاظم وانتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته. { الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } فكونه ملكا للخلق كلهم حقا، في صدقه، ووعده، ووعيده، مألوها معبودا، لما له من الكمال { رب العرش الكريم } فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ١١٥–١١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون، {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} أي: الحاسبين {قال إن لبثتم إلا قليلا} أي: مدة يسيرة على كل تقدير {لو أنكم كنتم تعلمون} أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته (1) -كما فعل المؤمنون-لفزتم كما فازوا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكلاعي؛ أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين؟ ثم يقول: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين" (2) . وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] ، يعني هملا (3) . وقوله: {فتعالى الله الملك الحق} أي: تقدس أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} ، فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي: حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} [لقمان: 10] . قال ابن أبي حاتم: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٣٣) ↗التحرير والتنوير
وأما قوله: وأنكم إلينا لا ترجعون فهم قد حسبوا ذلك حقيقة بلا تنزيل وهذا من تمام الإنكار. وقرأ الجمهور: ترجعون بضم التاء وفتح الجيم، أي أن الله يرجعهم قهرا. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بفتح التاء وكسر الجيم، أي يرجعون طوعا أو كرها. [116] 116] فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) تفرع على ما تقدم بيانه من دلائل الوحدانية والقدرة والحكمة ظهور أن الله هو الملك الذي ليس في اتصافه بالملك شائبة من معنى الملك. فملكه الملك الكامل في حقيقته. الشامل في نفاذه. والتعريف في الملك للجنس. والحق: ما قابل الباطل، ومفهوم الصفة يقتضي أن ملك غيره باطل، أي فيه شائبة الباطل لا من جهة الجور والظلم لأنه قد يوجد ملك لا جور فيه ولا ظلم كملك الأنبياء والخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والأمراء، بل من جهة أنه ملك غير مستكمل حقيقة المالكية فإن كل من ينسب إليه الملك عدا الله تعالى هو مالك من جهة ومملوك من جهة لما فيه من نقص واحتياج فهو مملوك لما يتطلبه من تسديد نقصه بقدر الحاجة ومن استعانة بالغير لجبر احتياجه فذلك ملك باطل لأنه ادعاء ملك غير تام. وجملة: فتعالى يجوز أن تكون خبرا قصد منه التذكير والاستنتاج مما تقدم من الدلائل المبينة لمعنى تعاليه وأن تكون إنشاء ثناء عليه بالعلو. والتعالي: مبالغة في العلو. وأتبع ذلك بما هو دليل عليه وهو انفراده بالإلهية وذلك وصف ذاتي، وبأنه مالك أعظم المخلوقات أعني العرش وذلك دليل عظمة القدرة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٣٥) ↗