سورة الأنبياء · الآية ٩٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره { حصب جهنم } أي: وقودها وحطبها { أنتم لها واردون } وأصنامكم. والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال: { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } وهذا كقوله تعالى: ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [النحل: 39] وكل من العابدين والمعبودين فيها خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها. { لهم فيها زفير } من شدة العذاب { وهم فيها لا يسمعون } صم بكم عمي، أولا يسمعون من الأصوات غير صوتها، لشدة غليانها واشتداد زفيرها وتغيظها. ودخول آلهة المشركين النار، إنما هو الأصنام، أو من عبد، وهو راض بعبادته، وأما المسيح، وعزير، والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة. { أولئك عنها } أي: عن النار { مبعدون } فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها. { وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون } من المآكل، والمشارب، والمناكح والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب، { لا يحزنهم الفزع الأكبر } أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة، حين تقرب النار، تتغيظ على الكافرين والعاصين فيفزع الناس لذلك الأمر وهؤلاء لا يحزنهم، لعلمهم بما يقدمون عليه، وأن الله قد أمنهم مما يخافون. { وتتلقاهم الملائكة } إذا بعثوا من قبورهم، وأتوا على النجائب وفدا لنشورهم، مهنئين لهم قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عبد الله: {لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} . ورواه ابن جرير، من حديث حجاج بن محمد، عن المسعودي، عن يونس بن خباب (1) ، عن ابن مسعود فذكره. وقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} : قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره: السعادة، {أولئك عنها مبعدون} لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله (2) ، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] : وقال {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن:60] ، فكما أحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله مآلهم وثوابهم، فنجاهم من العذاب، وحصل (3) لهم جزيل الثواب، فقال: {أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها} أي: حريقها في الأجساد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، عن الجريري (4) ، عن أبي عثمان: {لا يسمعون حسيسها} ، قال: حيات على الصراط (5) تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس حس. وقوله: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال -وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم -أو قال: سعد منهم-قال: وأقيمت الصلاة فقام، وأظنه يجر ثوبه، وهو يقول: {لا يسمعون حسيسها} . وقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب (6) قال: سمعت عليا يقول في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال: عثمان وأصحابه. ورواه ابن أبي حاتم أيضا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد -وليس بابن ماهك-عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 98] يعني: " الآلهة ومن يعبدها {حصب جهنم} [الأنبياء: 98] " وأما حصب جهنم، فقال بعضهم: معناه: وقود جهنم وشجرها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤١١) ↗التحرير والتنوير
أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون [الأنبياء: 44] ، ولم يعزه إلى قائل. ولعله أخذه من رواية عن مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن المعنى ننقصها بفتح البلدان، أي بناء على أن المراد من الرؤية في الآية الرؤية البصرية، وأن المراد من الأرض أرض الحجاز، وأن المراد من النقص نقص سلطان الشرك منها. وكل ذلك ليس بالمتعين ولا بالراجح. وسيأتي بيانه في موضعه. وقد تقدم بيانه في نظيرها من سورة الرعد التي هي أيضا مكية فالأرجح أن سورة الأنبياء مكية كلها. وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب النزول نزلت بعد حم السجدة وقبل سورة النحل، فتكون من أواخر السور النازلة قبل الهجرة. ولعلها نزلت بعد إسلام من أسلم من أهل المدينة كما يقتضيه قوله تعالى: وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون [الأنبياء: 3] ، كما سيأتي بيانه، غير أن ما رواه ابن إسحق عن ابن عباس أن قوله تعالى في سورة الزخرف [57] ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون، أن المراد بضرب المثل هو المثل الذي ضربه ابن الزبعرى لما نزل قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] كما يأتي يقتضي أن سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف. وقد عدت الزخرف ثانية وستين في النزول. وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام والبصرة مائة وإحدى عشرة وفي عد أهل الكوفة مائة واثنتا عشرة. والأغراض التي ذكرت في هذه السورة هي: - الإنذار بالبعث، وتحقيق وقوعه وإنه لتحقق وقوعه كان قريبا. - وإقامة الحجة عليه بخلق السماوات والأرض عن عدم وخلق الموجودات من الماء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٦) ↗