البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنبياء · الآية ٩٤

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: واذكر مريم عليها السلام مثنيا عليها مبينا لقدرها، شاهرا لشرفها فقال: { والتي أحصنت فرجها } أي: حفظته من الحرام وقربانه، بل ومن الحلال، فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها بالخدمة لربها. وحين جاءها جبريل في صورة بشر سوي تام الخلق والحسن قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا [مريم: 18] فجازاها الله من جنس عملها، ورزقها ولدا من غير أب، بل نفخ فيها جبريل عليه السلام، فحملت بإذن الله. { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } حيث حملت به، ووضعته من دون مسيس أحد، وحيث تكلم في المهد، وبرأها مما ظن بها المتهمون، وأخبر عن نفسه في تلك الحالة، وأجرى الله على يديه من الخوارق والمعجزات ما هو معلوم، فكانت وابنها آية للعالمين، يتحدث بها جيلا بعد جيل، ويعتبر بها المعتبرون. ولما ذكر الأنبياء عليهم السلام، قال مخاطبا للناس: و { إن هذه أمتكم أمة واحدة } أي: هؤلاء الرسل المذكورون، هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط واحد، والرب أيضا واحد. ولهذا قال: { وأنا ربكم } الذي خلقتكم، وربيتكم بنعمتي، في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدا، والنبي واحدا، والدين واحدا، وهو عبادة الله، وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة كان وظيفتكم والواجب عليكم القيام بها، ولهذا قال: { فاعبدون } فرتب العبادة على ما سبق بالفاء ترتيب المسبب على سببه. وكان اللائق، الاجتماع على هذا الأمر وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق والتقطع. ولهذا قال: { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق معه، والباطل مع الفريق الآخر و كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53]. وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء، وسيظهر هذا إذا انكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مصدق لهم ومكذب؛ ولهذا قال: {كل إلينا راجعون} أي: يوم القيامة، فيجازى كل بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} أي: قلبه مصدق، وعمل عملا صالحا، {فلا كفران لسعيه} ، كقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف:30] أي: لا يكفر سعيه، وهو عمله، بل يشكر، فلا يظلم مثقال ذرة؛ ولهذا قال: {وإنا له كاتبون} أي: يكتب جميع عمله، فلا يضيع عليه منه شيء. يقول تعالى: {وحرام على قرية} قال ابن عباس: وجب، يعني: قدرا مقدرا (1) أن أهل كل (2) قرية (3) أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة. هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: {أنهم لا يرجعون} أي: لا يتوبون. والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} : قد قدمنا أنهم من سلالة آدم، عليه السلام، بل هم من نسل نوح أيضا (4) من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم، تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين. وقال: {هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا. وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا} [الكهف:98، 99] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم، كأن السامع مشاهد لذلك، {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر:14] : هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض، لا إله إلا هو. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض، يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٧٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

من الأنداد والآلهة {فلا كفران لسعيه} [الأنبياء: 94] . يقول: فإن الله يشكر عمله الذي عمل له، مطيعا له، وهو به مؤمن، فيثيبه في الآخرة ثوابه الذي وعد أهل طاعته أن يثيبهموه، ولا يكفر ذلك له، فيجحده، ويحرمه ثوابه على عمله الصالح {وإنا له كاتبون} [الأنبياء: 94] يقول ونحن نكتب أعماله الصالحة كلها فلا نترك منها شيئا لنجزيه على صغير ذلك وكبيره وقليله وكثيره قال أبو جعفر: والكفران مصدر من قول القائل: كفرت فلانا نعمته، فأنا أكفره كفرا، وكفرانا، ومنه قول الشاعر: [البحر الطويل] من الناس ناس ما تنام خدودهم %~% وخدي ولا كفران لله نائم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٣٩٤) ↗

التحرير والتنوير

وزيادة بينهم لإفادة أنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطع أمرهم. فرب قبيلة اتخذت صنما لم تكن تعبده قبيلة أخرى ثم سولوا لجيرتهم وأحلافهم أن يعبدوه فألحقوه بآلهتهم. وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب. وقد روي أن عمرو بن لحي الملقب بخزاعة هو الذي نقل الأصنام إلى العرب. وجملة كل إلينا راجعون مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال يجيش في نفس سامع قوله تعالى وتقطعوا أمرهم وهو معرفة عاقبة هذا التقطع. وتنوين كل عوض عن المضاف إليه، أي كلهم، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم المشركون. والكلام يفيد تعريضا بالتهديد. ودل على ذلك التفريع في قوله تعالى فمن يعمل من الصالحات [الأنبياء: 94] إلى آخره. [94] 94] فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) فرع على الوعيد المعرض به في قوله تعالى: كل إلينا راجعون [الأنبياء: 94] تفريع بديع من بيان صفة ما توعدوا به، وذلك من قوله تعالى: فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء: 97] الآيات. وقدم وعد المؤمنين بجزاء أعمالهم الصالحة اهتماما به، ولوقوعه عقب الوعيد تعجيلا لمسرة المؤمنين قبل أن يسمعوا قوارع تفصيل الوعيد، فليس هو مقصودا من التفريع، ولكنه يشبه الاستطراد تنويها بالمؤمنين

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٤٣) ↗