سورة الأنبياء · الآية ٩٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: واذكر مريم عليها السلام مثنيا عليها مبينا لقدرها، شاهرا لشرفها فقال: { والتي أحصنت فرجها } أي: حفظته من الحرام وقربانه، بل ومن الحلال، فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها بالخدمة لربها. وحين جاءها جبريل في صورة بشر سوي تام الخلق والحسن قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا [مريم: 18] فجازاها الله من جنس عملها، ورزقها ولدا من غير أب، بل نفخ فيها جبريل عليه السلام، فحملت بإذن الله. { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } حيث حملت به، ووضعته من دون مسيس أحد، وحيث تكلم في المهد، وبرأها مما ظن بها المتهمون، وأخبر عن نفسه في تلك الحالة، وأجرى الله على يديه من الخوارق والمعجزات ما هو معلوم، فكانت وابنها آية للعالمين، يتحدث بها جيلا بعد جيل، ويعتبر بها المعتبرون. ولما ذكر الأنبياء عليهم السلام، قال مخاطبا للناس: و { إن هذه أمتكم أمة واحدة } أي: هؤلاء الرسل المذكورون، هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط واحد، والرب أيضا واحد. ولهذا قال: { وأنا ربكم } الذي خلقتكم، وربيتكم بنعمتي، في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدا، والنبي واحدا، والدين واحدا، وهو عبادة الله، وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة كان وظيفتكم والواجب عليكم القيام بها، ولهذا قال: { فاعبدون } فرتب العبادة على ما سبق بالفاء ترتيب المسبب على سببه. وكان اللائق، الاجتماع على هذا الأمر وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق والتقطع. ولهذا قال: { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق معه، والباطل مع الفريق الآخر و كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53]. وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء، وسيظهر هذا إذا انكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مصدق لهم ومكذب؛ ولهذا قال: {كل إلينا راجعون} أي: يوم القيامة، فيجازى كل بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} أي: قلبه مصدق، وعمل عملا صالحا، {فلا كفران لسعيه} ، كقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف:30] أي: لا يكفر سعيه، وهو عمله، بل يشكر، فلا يظلم مثقال ذرة؛ ولهذا قال: {وإنا له كاتبون} أي: يكتب جميع عمله، فلا يضيع عليه منه شيء. يقول تعالى: {وحرام على قرية} قال ابن عباس: وجب، يعني: قدرا مقدرا (1) أن أهل كل (2) قرية (3) أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة. هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: {أنهم لا يرجعون} أي: لا يتوبون. والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} : قد قدمنا أنهم من سلالة آدم، عليه السلام، بل هم من نسل نوح أيضا (4) من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم، تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين. وقال: {هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا. وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا} [الكهف:98، 99] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم، كأن السامع مشاهد لذلك، {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر:14] : هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض، لا إله إلا هو. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض، يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٧٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جميع أهل الأديان إليه، متوعدا بذلك أهل الزيغ منهم والضلال، ومعلمهم أنه لهم بالمرصاد، وأنه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {وتقطعوا أمرهم بينهم} [الأنبياء: 93] قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٣٩٣) ↗التحرير والتنوير
و (أمة واحدة) حال من أمتكم مؤكدة لما أفادته الإشارة التي هي العامل في صاحب الحال. وأفادت التمييز والتشخيص لحال الشرائع التي عليها الرسل أو التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى كونها واحدة أنها توحد الله تعالى فليس دونه إله. وهذا حال شرائع التوحيد وبخلافها أديان الشرك فإنها لتعدد آلهتها تتشعب إلى عدة أديان لأن لكل صنم عبادة وأتباعا وإن كان يجمعها وصف الشرك فذلك جنس عام وقد أومأ إلى هذا قوله تعالى: وأنا ربكم، أي لا غيري. وسيأتي بسط القول في عربية هذا التركيب في تفسير سورة المؤمنين. وأفاد قوله تعالى: وأنا ربكم الحصر، أي أنا لا غيري بقرينة السياق والعطف على أمة واحدة، إذ المعنى: وأنا ربكم ربا واحدا، ولذلك فرع عليه الأمر بعبادته، أي فاعبدون دون غيري. وهذا الأمر مراعى فيه ابتداء حال السامعين من أمم الرسل، فالمراد من العبادة التوحيد بالعبادة والمحافظة عليها. [93] 93] وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) عطف على جملة إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [الأنبياء: 92] أي أعرضوا عن قولنا. وتقطعوا وضمائر الغيبة عائدة إلى مفهوم من المقام وهم الذين من الشأن التحدث عنهم في القرآن المكي بمثل هذه المذام، وهم المشركون. ومثل هذه الضمائر المراد منها المشركون كثير في القرآن. ويجوز أن تكون الضمائر عائدة إلى أمم الرسل. فعلى الوجه الأول الذي قدمناه في ضمائر الخطاب في قوله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة [الأنبياء: 92] يكون الكلام انتقالا من الحكاية عن الرسل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٤١) ↗