سورة الأنبياء · الآية ٩٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوها بذكره، ناشرا لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه، وأنه { نادى ربه رب لا تذرني فردا } أي: قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورآءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا [مريم: 4-6]. من هذه الآيات علمنا أن قوله { رب لا تذرني فردا } أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله، والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه، على ما قام به، { وأنت خير الوارثين } أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه. { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى } النبي الكريم، الذي لم يجعل الله له من قبل سميا. { وأصلحنا له زوجه } بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة، فأصلح الله رحمها للحمل لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين. ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلا على انفراده، أثنى عليهم عموما فقال: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا انتهزوا الفرصة فيها، { ويدعوننا رغبا ورهبا } أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، { وكانوا لنا خاشعين } أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنبياء ٨٩–٩٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إلى قوله: {المؤمنين} ، ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. يخبر تعالى عن عبده زكريا، حين طلب أن يهبه الله ولدا، يكون من بعده نبيا. وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة "مريم" وفي سورة "آل عمران" أيضا، وهاهنا أخصر منهما؛ {إذ نادى ربه} أي: خفية عن قومه: {رب لا تذرني فردا} أي: لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس، {وأنت خير الوارثين} دعاء وثناء مناسب للمسألة. قال الله تعالى: {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} أي: امرأته. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: كانت عاقرا لا تلد، فولدت. وقال عبد الرحمن بن مهدي (1) ، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: كان في لسانها طول فأصلحها الله. وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله. وهكذا قال محمد بن كعب، والسدي. والأظهر من السياق الأول. وقوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي: في عمل القربات وفعل الطاعات، {ويدعوننا رغبا ورهبا} قال الثوري: {رغبا} فيما عندنا، {ورهبا} مما عندنا، {وكانوا لنا خاشعين} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد: مؤمنين حقا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبدا. وعن مجاهد أيضا {خاشعين} أي: متواضعين. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: {خاشعين} أي: متذللين لله عز وجل. وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق بن (2) عبد الله القرشي، عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر، رضي الله عنه، ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٧٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
زكريا حين نادى ربه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٣٨٧) ↗التحرير والتنوير
[89، 90] وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه كان أمر زكرياء الذي أشار إليه قوله: إذ نادى ربه آية من آيات الله في عنايته بأوليائه المنقطعين لعبادته فخص بالذكر لذلك. والقول في عطف وزكرياء كالقول في نظائره السابقة. وجملة رب لا تذرني فردا مبينة لجملة نادى ربه. وأطلق الفرد على من لا ولد له تشبيها له بالمنفرد الذي لا قرين له. قال تعالى: وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [مريم: 95] ، ويقال مثله الواحد للذي لا رفيق له، قال الحارث بن هشام: وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فشبه من لا ولد بالفرد لأن الولد يصير أباه كالشفع لأنه كجزء منه. ولا يقال لذي الولد زوج ولا شفع. وجملة وأنت خير الوارثين ثناء لتمهيد الإجابة، أي أنت الوارث الحق فاقض علي من صفتك العلية شيئا. وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات الله عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها، كما قال أيوب وأنت أرحم الراحمين [الأنبياء: 83] ، ودل ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية [سورة مريم: 6] يرثني ويرث من آل يعقوب. حذفت هاته الجملة لدلالة المحكي هنا عليها. والتقدير: يرثني الإرث الذي لا يداني إرثك عبادك، أي بقاء ما تركوه في الدنيا لتصرف قدرتك، أو يرثني مالي وعلمي وأنت ترث نفسي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٣٥) ↗