سورة الأنبياء · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من القرآن العظيم، وأنهم سفهوه وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة، فتارة يقولون: { أضغاث أحلام } بمنزلة كلام النائم الهاذي، الذي لا يحس بما يقول، وتارة يقولون: { افتراه } واختلقه وتقوله من عند نفسه، وتارة يقولون: إنه شاعر وما جاء به شعر. وكل من له أدنى معرفة بالواقع، من حالة الرسول، ونظر في هذا الذي جاء به، جزم جزما لا يقبل الشك، أنه أجل الكلام وأعلاه، وأنه من عند الله، وأن أحدا من البشر لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه، كما تحدى الله أعداءه بذلك، ليعارضوا مع توفر دواعيهم لمعارضته وعداوته، فلم يقدروا على شيء من معارضته، وهم يعلمون ذلك وإلا فما الذي أقامهم وأقعدهم وأقض مضاجعهم وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء، وإنما يقولون هذه الأقوال فيه - حيث لم يؤمنوا به - تنفيرا عنه لمن لم يعرفه، وهو أكبر الآيات المستمرة، الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وهو كاف شاف، فمن طلب دليلا غيره، أو اقترح آية من الآيات سواه، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الذين كذبوه وطلبوا من الآيات الاقتراح ما هو أضر شيء عليهم، وليس لهم فيها مصلحة، لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله، فقد تبين دليله بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون قطعا، فلو جاءتهم كل آية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولهذا قال الله عنهم: { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون } أي: كناقة صالح، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال الله: { مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ } أي: بهذه الآيات المقترحة، وإنما سنته تقتضي أن من طلبها، ثم حصلت له، فلم يؤمن أن يعاجله بالعقوبة. فالأولون ما آمنوا بها، أفيؤمن هؤلاء بها؟ ما الذي فضلهم على أولئك، وما الخير الذي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وسلم، يستبعدون كونه نبيا؛ لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم؛ ولهذا قال: {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} ؟ أي: أفتتبعونه فتكونون كمن أتى (4) السحر وهو يعلم أنه سحر. فقال تعالى مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب. {قال ربي يعلم القول في السماء والأرض} أي: الذي يعلم ذلك، لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض. وقوله: {وهو السميع العليم} [أي: السميع] (5) لأقوالكم، {العليم} بأحوالكم. وفي هذا تهديد لهم ووعيد. وقوله: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه} هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم، واختلافهم فيما يصفون به (6) القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه. فتارة يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه شعرا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48، والفرقان: 9] . وقوله: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} : يعنون ناقة صالح، وآيات موسى وعيسى. وقد قال الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الآية] (7) [الإسراء: 59] ؛ ولهذا قال تعالى: {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} أي: ما آتينا قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكناهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٣٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم: هو فرية واختلاق افتراه، واختلقه من قبل نفسه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر. {فليأتنا} [الأنبياء: 5] يقول: قالوا: فليجئنا محمد إن كان صادقا في قوله: إن الله بعثه رسولا إلينا، وإن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا {بآية} [آل عمران: 49] يقول: بحجة، ودلالة على حقيقة ما يقول ويدعي، {كما أرسل الأولون} [الأنبياء: 5] يقول: كما جاءت به الرسل الأولون من قبله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٢٥) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور قل بصيغة الأمر، وقرأ حمزة والكسائي، وحفص، وخلف قال بصيغة الماضي، وكذلك هي مرسومة في المصحف الكوفي قاله أبو شامة، أي قال الرسول لهم، حكى الله ما قاله الرسول لهم، وإنما قاله عن وحي فكان في معنى قراءة الجمهور قل ربي يعلم القول لأنه إذا أمر بأن يقوله فقد قاله. وإنما لم يقل يعلم السر لمراعاة العلم بأن الذي قالوه من قبيل السر وأن إثبات علمه بكل قول يقتضي إثبات علمه بالسر وغيره بناء على متعارف الناس. وأما قوله في سورة [الفرقان: 6] قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض فلم يتقدم قبله ذكر للإسرار، وكان قول الذين كفروا: إن هذا إلا إفك افتراه [الفرقان: 4] صادرا منهم تارة جهرا وتارة سرا فأعلمهم الله باطلاعه على سرهم. ويعلم منه أنه مطلع على جهرهم بطريقة الفحوى. [5] 5] بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) بل الأولى من كلام الله تعالى إضراب انتقال من حكاية قول فريق منهم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون الأنبياء: 3] إلى حكاية قول آخر من أقوال المشركين، وهو زعمهم أن ما يخبر عنه ويحكيه هو أحلام يراها فيحكيها، فضمير قالوا لجماعة المشركين لا لخصوص القائلين الأولين. وبل الثانية يجوز أن تكون من الكلام المحكي عنهم وهي إضراب انتقال فيما يصفون به القرآن. والمعنى: بل افتراه واختلقه من غير أحلام، أي هو كلام مكذوب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٥) ↗