سورة الأنبياء · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير، وأنهم قد قرب حسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال أنهم في غفلة معرضون، أي: غفلة عما خلقوا له، وإعراض عما زجروا به. كأنهم للدنيا خلقوا، وللتمتع بها ولدوا، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم، ولهذا قال: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } يذكرهم ما ينفعهم ويحثهم عليه وما يضرهم، ويرهبهم منه { إلا استمعوه } سماعا، تقوم عليهم به الحجة، { وهم يلعبون * لاهية قلوبهم } أي: قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الردية، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم، وفي معنى قوله: { اقترب للناس حسابهم } قولان: أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل، وعلى أمته تقوم الساعة، فقد قرب الحساب منها بالنسبة لما قبلها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " وقرن بين إصبعيه، السبابة والتي تليها. والقول الثاني: أن المراد بقرب الحساب الموت، وأن من مات، قامت قيامته، ودخل في دار الجزاء على الأعمال، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض، لا يدري متى يفجؤه الموت، صباحا أو مساء، فهذه حالة الناس كلهم، إلا من أدركته العناية الربانية، فاستعد للموت وما بعده. ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون على وجه العناد، ومقابلة الحق بالباطل، وأنهم تناجوا، وتواطؤوا فيما بينهم، أن يقولوا في الرسول صلى الله عليه وسلم إنه بشر مثلكم، فما الذي فضله عليكم، وخصه من بينكم، فلو ادعى أحد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إنزاله {إلا استمعوه وهم يلعبون} كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرءونه محضا لم يشب. ورواه البخاري بنحوه (3) . وقوله: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} أي: قائلين فيما بينهم خفية {هل هذا إلا بشر مثلكم} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستبعدون كونه نبيا؛ لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم؛ ولهذا قال: {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} ؟ أي: أفتتبعونه فتكونون كمن أتى (4) السحر وهو يعلم أنه سحر. فقال تعالى مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب. {قال ربي يعلم القول في السماء والأرض} أي: الذي يعلم ذلك، لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض. وقوله: {وهو السميع العليم} [أي: السميع] (5) لأقوالكم، {العليم} بأحوالكم. وفي هذا تهديد لهم ووعيد. وقوله: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه} هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم، واختلافهم فيما يصفون به (6) القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه. فتارة يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه شعرا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48، والفرقان: 9] . وقوله: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} : يعنون ناقة صالح، وآيات موسى وعيسى. وقد قال الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الآية] (7) [الإسراء: 59] ؛ ولهذا قال تعالى: {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} أي: ما آتينا قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكناهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٣٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وجه الخبر، وكأن الذين قرءوه على وجه الأمر أرادوا من تأويله: قل يا محمد للقائلين {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} [الأنبياء: 3] : ربي يعلم قول كل قائل في السماء والأرض، لا يخفى عليه منه شيء، وهو السميع لذلك كله، ولما يقولون من الكذب، العليم بصدقي، وحقيقة ما أدعوكم إليه، وباطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها. وكأن الذين قرءوا ذلك {قال} [البقرة: 30] على وجه الخبر أرادوا: قال محمد ربي يعلم القول، خبرا من الله عن جواب نبيه إياهم، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، قد قرأ بكل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٢٤) ↗التحرير والتنوير
وكذلك الاستفهام في قوله أفتأتون السحر إنكاري وأراد بالسحر الكلام الذي يتلوه عليكم. والمعنى: أنه لما كان بشرا مثلكم فما تصديقكم لنبوءته إلا من أثر سحر سحركم به فتأتون السحر بتصديقكم بما يدعوكم إليه. وأطلق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة، لأن الإتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه، ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبيء صلى الله عليه وسلم لسماع دعوته فجعلوه إتيانا، لأن غالب حضور المجالس أن يكون بإتيان إليها، وجعلوا كلامه سحرا فنهوا من ناجوهم عن الاستماع إليه. وهذا كقوله تعالى: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون في سورة [فصلت: 26] . وقوله وأنتم تبصرون في موضع الحال، أي تأتون السحر وبصركم سليم، وأرادوا به العلم البديهي، فعبروا عنه بالبصر لأن المبصرات لا يحتاج إدراكها إلى تفكير. [4] 4] قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) أطلع الله رسوله على نجواهم فلم يتم لهم ما أرادوا من الإسرار بها فبعد أن حكى ما تناجوا به أمره أن يخبرهم بأن الله الذي علم نجواهم يعلم كل قول في السماء والأرض من جهر أو سر، فالتعريف في القول للاستغراق، وبذلك كان هذا تذييلا، وأعلمهم بأنه المتصف بتمام العلم للمسموعات وغيرها بقوله وهو السميع العليم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٤) ↗