سورة طه · الآية ٨٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قالوا له: ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمد منا، وملك منا لأنفسنا، ولكن السبب الداعي لذلك، أننا تأثمنا من زينة القوم التي عندنا، وكانوا فيما يذكرون استعاروا حليا كثيرا من القبط، فخرجوا وهو معهم وألقوه، وجمعوه حين ذهب موسى ليراجعوه فيه إذا رجع. وكان السامري قد بصر يوم الغرق بأثر الرسول، فسولت له نفسه أن يأخذ قبضة من أثره، وأنه إذا ألقاها على شيء حيي، فتنة وامتحانا، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل، فتحرك العجل، وصار له خوار وصوت، وقالوا: إن موسى ذهب يطلب ربه، وهو هاهنا فنسيه، وهذا من بلادتهم، وسخافة عقولهم، حيث رأوا هذا الغريب الذي صار له خوار، بعد أن كان جمادا، فظنوه إله الأرض والسماوات. { أفلا يرون } أن العجل { ألا يرجع إليهم قولا } أي: لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء، من النفع والدفع، بإقدار الله لهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: طه ٨٧–٨٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السامري. وفي الكتب الإسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة، كما قال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري. وقوله: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم. وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يعلم كل عاقل له لب [وحزم] (1) بطلان (2) [ما هم فيه] (3) وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رجع إليهم غضبان أسفا، والأسف: شدة الغضب. وقال مجاهد: {غضبان أسفا} أي: جزعا. وقال قتادة، والسدي: {أسفا} أي: حزينا على ما صنع قومه من بعده. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ {أفطال عليكم العهد} أي: في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من (4) نعمه، وما بالعهد من قدم. {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} "أم" هاهنا بمعنى "بل" وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم {فأخلفتم موعدي * قالوا} أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم (5) موسى وقرعهم: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي: عن قدرتنا واختيارنا. ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر، {فقذفناها} أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث "الفتون" أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار. وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والقائلين له {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضر ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٤٣) ↗التحرير والتنوير
أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) يجوز أن يكون اعتراضا وليس من حكاية كلام القوم، فهو معترض بين جملة فكذلك ألقى السامري [طه: 87] وجملة قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن [طه: 92، 93] إلخ، فتكون الفاء لتفريع كلام متكلم على كلام غيره، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به، والمخبر متعدد. ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدوا لخطاب موسى- عليه السلام- من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد. والاستفهام: إنكاري، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جريهم على موجب البصر، فأنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره، أي كيف يدعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعا ولا ضرا. والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملة في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم، ولا سيما بالنسبة لجملة ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فإن ذلك لا يرى بالبصر بخلاف ألا يرجع إليهم قولا. ورؤية انتفاء الأمرين مراد بها رؤية أثر انتفائهما بدوام عدم التكلم وانتفاء عدم نفعهم وضرهم، لأن الإنكار مسلط على اعتقادهم أنه إلههم فيقتضي أن يملك لهم ضرا ونفعا. ومعنى يرجع يرد، أي يجيب القول، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يدعونه ويثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يعدهم باستجابة، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقى طلبة أن يجيب. ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضر، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٨٨) ↗