سورة البقرة · الآية ٥٩
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه، فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا، ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل، وهو دخول الباب { سجدا } أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: { حطة } أي: أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته. { نغفر لكم خطيكم } بسؤالكم المغفرة، { وسنزيد المحسنين } بأعمالهم، أي: جزاء عاجلا وآجلا، { فبدل الذين ظلموا } منهم، ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا { قولا غير الذي قيل لهم } فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله واستهزاء، وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم، ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: { فأنزلنا على الذين ظلموا } منهم { رجزا } أي: عذابا { من السمآء } بسبب فسقهم وبغيهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ٥٨–٥٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون، عليه السلام، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب -باب البلد- {سجدا} أي: شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم (1) إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال. قال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: {وادخلوا الباب سجدا} أي ركعا. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وادخلوا الباب سجدا} قال: ركعا (2) من باب صغير. رواه الحاكم من حديث سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان، وهو الثوري، به (3) . وزاد: فدخلوا من قبل استاههم. [وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي، وحكى عن بعضهم: أن المراد بالسجود هاهنا الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (4) . وقال خصيف: قال عكرمة، قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة. وقال [ابن عباس و] (5) مجاهد، والسدي، وقتادة، والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عن باب جهة من جهات القرية] (6) . وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق، وقال السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن عبد الله بن مسعود: وقيل لهم ادخلوا الباب سجدا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم، أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا. وقوله: {وقولوا حطة} قال الثوري عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وقولوا حطة} قال: مغفرة، استغفروا. وروي عن عطاء، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه. وقال الضحاك عن ابن عباس: {وقولوا حطة} قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم. وقال عكرمة: قولوا: لا إله إلا الله. وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 59]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٧٢٣) ↗التحرير والتنوير
الآية. وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضا بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم. وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد [البقرة: 61] الآية فكان قوله: وما ظلمونا تمهيدا له وتعجيلا بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم. وقوله: ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولا بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه. [58، 59] وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (59) هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها. وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب. قال الشيخ ابن عطاء الله: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصارا ترك كثيرا من المفسرين فيها حيارى، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٥١٢) ↗