البيانابحثاسألالموضوعات

سورة البقرة · الآية ٥٤

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: { وإذ نجينكم من آل فرعون } أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك { يسومونكم } أي: يولونهم ويستعملونهم، { سوء العذاب } أي: أشده بأن كانوا { يذبحون أبنآءكم } خشية نموكم { ويستحيون نسآءكم } أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم. { وفي ذلكم } أي: الإنجاء { بلاء } أي: إحسان { من ربكم عظيم } فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره. ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده، أي: ذهابه. { وأنتم ظلمون } عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا، فعفا الله عنكم بسبب ذلك { لعلكم تشكرون } الله. { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، { فأخذتكم الصعقة } إما الموت أو الغشية العظيمة، { وأنتم تنظرون } وقوع ذلك، كل ينظر إلى صاحبه، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون }. ثم ذكر نعمته عليهم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن } وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك، { والسلوى } طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم { كلوا من طيبت ما رزقناكم } أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب. { وما ظلمونا } يعني بتلك الأفعال …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد (1) فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. وهذا (2) قطعة من حديث الفتون، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله، إن شاء الله (3) . وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال موسى لقومه: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} قال: أمر موسى قومه -من أمر ربه عز وجل -أن يقتلوا أنفسهم قال: واحتبى الذين عبدوا (4) العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلة (5) شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلة (6) عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا يقولان في قوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حسبي، فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه، [وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك] (7) . وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة، وللمقتول شهادة. وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٦٧٨) ↗

التحرير والتنوير

فكذلك تفضيل بني إسرائيل على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الإصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع على المجموع في جميع العصور، ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي شرف النسب وكمال الخلق وسلامة العقيدة وسعة الشريعة والحرية والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم في سائر أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين [آل عمران: 20] وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور. ووجه زيادة الوصف بقوله: التي أنعمت عليكم مر في أختها الأولى. [48] 48] واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) عطف التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك. والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي. وانتصاب يوما على المفعولية به وليس على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير التنوين. والمراد باتقائه اتقاؤه من حيث ما يحدث فيه من الأهوال والعذاب فهو من إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه كما تقول مكان مخوف. وتجزي مضارع جزى بمعنى قضى حقا عن غيره، وهو متعد بعن إلى أحد مفعوليه فيكون شيئا مفعوله الأول، ويجوز أيضا أن يكون مفعولا مطلقا إذا أريد شيئا من الجزاء ويكون المفعول محذوفا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٤٨٤) ↗