سورة البقرة · الآية ٢٠٦
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر، أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه { ويشهد الله على ما في قلبه } بأن يخبر أن الله يعلم أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك، لأنه يخالف قوله فعله. فلو كان صادقا لتوافق القول والفعل، كحال المؤمن غير المنافق، فلهذا قال: { وهو ألد الخصام } أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم. { وإذا تولى } هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك { سعى في الأرض ليفسد فيها } أي: يجتهد على أعمال المعاصي التي هي إفساد في الأرض { ويهلك } بسبب ذلك { الحرث والنسل } فالزروع والثمار والمواشي تتلف وتنقص وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، { والله لا يحب الفساد } وإذا كان لا يحب الفساد فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور، حتى يوجد العمل المصدق لها المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم. ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله، إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و { لله أخذته العزة بالإثم } فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. { فحسبه جهنم } التي هي دار العاصين والمتكبرين، { ولبئس المهاد } أي: المستقر والمسكن عذاب دائم، وهم لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين. قال الله تعالى: علي (1) تجترئون! وبي تغترون!. وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية. فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح. وأما قوله: {ويشهد الله على ما في قلبه} فقرأه ابن محيصن: "ويشهد الله" بفتح الياء، وضم الجلالة {على ما في قلبه} ومعناها: أن هذا وإن أظهر لكم الحيل (2) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] . وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة {ويشهد الله على ما في قلبه} ومعناه: أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الآية [النساء: 108] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن (3) عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم. وقوله: {وهو ألد الخصام} الألد في اللغة: [هو] (4) الأعوج، {وتنذر به قوما لدا} [مريم:97] أي: عوجا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٣/٥٨٧) ↗التحرير والتنوير
كانوا يتفرقون رابع أيام منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق إلى موطنه، قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في منى: فلله عينا من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب غداة غدوا فسالك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع نجد كبكب وقال كثير: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح والمعنى ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى، وهي الأيام المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى، وأقيموا في منى تلك الأيام فمن دعته حاجاته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه. [204- 206] ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) عطف على جملة فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا [البقرة: 200] إلخ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لا حظ لهم في الآخرة، وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا والآخرة، فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لا حظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة في الدنيا، وهم المذكورون في قوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله [البقرة: 207] . و (من) بمعنى بعض كما في قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله [البقرة: 8] فهي صالحة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٢٦٥) ↗