سورة مريم · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة ب " يحيى " وسماه الله له " يحيى " وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين، { لم نجعل له من قبل سميا } أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا، فيكون ذلك بشارة بكماله، واتصافه بالصفات الحميدة، وأنه فاق من قبله، ولكن على هذا الاحتمال، هذا العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم، وموسى، ونوح عليهم السلام، ونحوهم، ممن هو أفضل من يحيى قطعا، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه، استغرب وتعجب وقال: { رب أنى يكون لي غلام } والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: { كذلك قال ربك هو علي هين } أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا. { قال رب اجعل لي آية } أي: يطمئن بها قلبي، وليس هذا شكا في خبر الله، وإنما هو، كما قال الخليل عليه السلام: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] فطلب زيادة العلم، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين، فأجابه الله إلى طلبته رحمة به، ف { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } وفي الآية الأخرى ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا [آل عمران: 41] والمعنى واحد، لأنه تارة يعبر بالليالي، وتارة بالأيام ومؤداها واحد، وهذا من الآيات العجيبة، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة، بل كان سويا، لا نقص فيه، من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد، ومع هذا، ممنوع من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما رأى زكريا، عليه السلام، أن الله تعالى يرزق مريم، عليها السلام، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، و [إن] (1) كان شيخا كبيرا قد [ضعف و] (2) وهن منه (3) العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا، وقال: {رب هب لي من لدنك} أي: من عندك {ذرية طيبة} أي: ولدا صالحا {إنك سميع الدعاء} . قال الله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشرته به الملائكة: {أن الله يبشرك بيحيى} أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان. وقوله: {مصدقا بكلمة من الله} روى العوفي وغيره عن ابن عباس. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم في هذه الآية: {مصدقا بكلمة من الله} أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه (4) ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: {مصدقا بكلمة من الله} قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى: تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى (5) عليه (6) السلام، وهكذا قال السدي أيضا. وقوله: {وسيدا} قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم: الحكيم (7) وقال قتادة: سيدا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس، والثوري، والضحاك: السيد الحكيم (8) المتقي (9) وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من بلغ من السن ما بلغت لم يولد له؛ {وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] والعاقر من النساء: التي لا تلد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجل عاقر كما قال عامر بن الطفيل: [البحر الطويل]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٣٨١) ↗التحرير والتنوير
و (يرثني) قرأه الجمهور بالرفع على الصفة ل وليا. وقرأه أبو عمرو، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله فهب لي لإرادة التسبب لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية. وآل يعقوب يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ آل المشعر بالفضيلة والشرف، فيكون يعقوب هو إسرائيل كأنه قال: ويرث من آل إسرائيل، أي حملة الشريعة وأحبار اليهودية كقوله تعالى: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [النساء: 54] ، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه [آل عمران: 68] وقوله: ذرية من حملنا مع نوح [الإسراء: 3] ، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه. ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل. وهو يعقوب بن ماثان، قاله: معقل والكلبي، وهو عم مريم أخو عمران أبيها، وقيل: هو أخو زكرياء، أي ليس له أولاد فيكون ابن زكرياء وارثا ليعقوب لأنه ابن أخيه، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه. [7- 8] يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) مقول قول محذوف دل عليه السياق عقب الدعاء إيجازا، أي قلنا يا زكرياء إلخ ...
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٦٨) ↗