سورة مريم · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { مكانا قصيا } فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر. وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل، فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، ف { قد جعل ربك تحتك سريا } أي: نهرا تشربين منه، { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } أي: طريا لذيذا نافعا { فكلي } من التمر، { واشربي } من النهر { وقري عينا } بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول المأكل والمشرب والهني. وأما من جهة قالة الناس، فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر، أن تقول على وجه الإشارة: { إني نذرت للرحمن صوما } أي: سكوتا { فلن أكلم اليوم إنسيا } أي: لا تخاطبيهم بكلام لتستريحي من قولهم وكلامهم. وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، وإنما لم تؤمر بخطابهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها، ولا فيه فائدة، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهد على براءتها، فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج، ودعواها أنه من غير أحد، من أكبر الدعاوى، التي لو أقيم عدة من الشهود، لم تصدق بذلك، فجعلت بينة هذا الخارق للعادة، أمرا من جنسه، وهو كلام عيسى في حال صغره جدا، ولهذا قال تعالى: { فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٢٢–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قرأ بعضهم {من تحتها} بمعنى (1) الذي تحتها. وقرأ آخرون: {من تحتها} على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: {فناداها من تحتها} جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل عليه الصلاة والسلام، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فناداها من تحتها} قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى (2) الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم (3) تسمع الله يقول: {فأشارت إليه} [مريم: 29] ؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره (4) وقوله: {ألا تحزني} أي: ناداها قائلا لا تحزني، {قد جعل ربك تحتك سريا} قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: {قد جعل ربك تحتك سريا} قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السري: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز. وقال وهب بن منبه: السري: هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي (5) حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: {قد جعل ربك تحتك سريا} نهر أخرجه الله لتشرب منه" (6) وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي (7) قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تأويله، فمن متأول منهم إذا قرأه {من تحتها} [البقرة: 25] كذلك، ومن متأول منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة والبصرة: (فناداها من تحتها) بفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها PageEndV15P501 عيسى، وأنه الذي نادى أمه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٠٠) ↗التحرير والتنوير
بعد بدو الحمل لأن الموت حينئذ لا يدفع الطعن في عرضها بعد موتها ولا المعرة على أهلها إذ يشاهد أهلها بطنها بحملها وهي ميتة فتطرقها القالة. وقرأ الجمهور مت- بكسر الميم- للوجه الذي تقدم في قوله تعالى: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم في سورة آل عمران [157] . وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر بضم الميم على الأصل. وهما لغتان في فعل مات إذا اتصل به ضمير رفع متصل. والنسي- بكسر النون وسكون السين- في قراءة الجمهور: الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى، ووزن فعل يأتي بمعنى اسم المفعول بقيد تهيئته لتعلق الفعل به دون تعلق حصل. وذلك مثل الذبح في قوله تعالى: وفديناه بذبح عظيم [الصافات: 107] ، أي كبش عظيم معد لأن يذبح، فلا يقال للكبش ذبح إلا إذا أعد للذبح، ولا يقال للمذبوح ذبح بل ذبيح. والعرب تسمي الأشياء التي يغلب إهمالها أنساء، ويقولون عند الارتحال: انظروا أنساءكم، أي الأشياء التي شأنكم أن تنسوها. ووصف النسي بمنسي مبالغة في نسيان ذكرها، أي ليتني كنت شيئا غير متذكر وقد نسيه أهله وتركوه فلا يلتفتون إلى ما يحل به، فهي تمنت الموت وانقطاع ذكرها بين أهلها من قبل ذلك. وقرأه حمزة، وحفص، وخلف نسيا- بفتح النون- وهو لغة في النسي، كالوتر والوتر، والجسر والجسر. [24] فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) ضمير الرفع المستتر في (ناداها) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في فحملته [مريم: 22] ، أي: ناداها المولود.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٨٦) ↗