البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ٢٣

﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { مكانا قصيا } فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر. وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل، فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، ف { قد جعل ربك تحتك سريا } أي: نهرا تشربين منه، { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } أي: طريا لذيذا نافعا { فكلي } من التمر، { واشربي } من النهر { وقري عينا } بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول المأكل والمشرب والهني. وأما من جهة قالة الناس، فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر، أن تقول على وجه الإشارة: { إني نذرت للرحمن صوما } أي: سكوتا { فلن أكلم اليوم إنسيا } أي: لا تخاطبيهم بكلام لتستريحي من قولهم وكلامهم. وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، وإنما لم تؤمر بخطابهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها، ولا فيه فائدة، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهد على براءتها، فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج، ودعواها أنه من غير أحد، من أكبر الدعاوى، التي لو أقيم عدة من الشهود، لم تصدق بذلك، فجعلت بينة هذا الخارق للعادة، أمرا من جنسه، وهو كلام عيسى في حال صغره جدا، ولهذا قال تعالى: { فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٢٢–٢٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر -قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان (1) بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حبل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت (2) . وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب (3) كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 12 -14] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوما (4) وقال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63] فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما (5) يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر (6) من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -فهمت (7) ما أشار إليه-أما قولك: "هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر؟ " فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تأويل أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٩٠) ↗

التحرير والتنوير

وجملة وكان أمرا مقضيا يجوز أن تكون من قول الملك، ويجوز أن تكون مستأنفة. وضمير كان عائد إلى الوهب المأخوذ من قوله لأهب لك غلاما. وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها. [22- 23] فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) الفاء للتفريع والتعقيب، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة. والحمل: العلوق، يقال: حملت المرأة ولدا، وهو الأصل، قال تعالى: حملته أمه كرها [الأحقاف: 15] . ويقال: حملت به. وكأن الباء لتأكيد اللصوق، مثلها في وامسحوا برؤسكم [المائدة: 6] . قال أبو كبير الهذلي: حملت به في ليلة قرءودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل والانتباذ تقدم قريبا، وكذلك انتصاب مكانا تقدم. وقصيا بعيدا، أي بعيدا عن مكان أهلها. قيل: خرجت إلى البلاد المصرية فارة من قومها أن يعزروها وأعانها خطيبها يوسف النجار وأنها ولدت عيسى عليه السلام في الأرض المصرية. ولا يصح. وفي إنجيل لوقا: أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوبا للحضور بقرية أهله لأن ملك البلاد يجري إحصاء سكان البلاد، وهو ظاهر قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله [مريم: 27] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٨٤) ↗