البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الكهف · الآية ٦

﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

الحمد لله هو الثناء عليه بصفاته، التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وأجل نعمه على الإطلاق، إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم، ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مشتملين، على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما نفي العوج عنه، وإثبات أنه قيم مستقيم، فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث، وإثبات الاستقامة يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار، التي تملأ القلوب معرفة وإيمانا وعقلا، كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس، وتطهرها وتنميها وتكملها، لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له. وحقيق بكتاب موصوف بما ذكر، أن يحمد الله نفسه على إنزاله، وأن يتمدح إلى عباده به. وقوله { لينذر بأسا شديدا من لدنه } أي: لينذر بهذا القرآن الكريم، عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاه، على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضا من نعمه، أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم. كما قال تعالى - لما ذكر في هذا القرآن وصف النار - قال: ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون [الزمر: 16]. فمن رحمته بعباده، أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف أمره، وبينها لهم، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها. { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } أي: وأنزل الله على عبده الكتاب، ليبشر المؤمنين به، وبرسله، وكتبه، الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي الأعمال الصالحة، من واجب ومستحب، التي جمعت الإخلاص والمتابعة، { أن لهم أجرا حسنا } وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل الصالح، وأعظمه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم (1) في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر:8] ، وقال {ولا تحزن عليهم} [النحل:127] ، وقال {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء:3] (2) (3) باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفا} يقول: لا تهلك نفسك أسفا. قال قتادة: قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم. وقال مجاهد: جزعا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} . قال قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الدنيا خضرة حلوة (4) وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا (5) ، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (6) ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها، وفراغها وانقضائها، وذهابها وخرابها، فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكا {صعيدا جرزا} : لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: {صعيدا جرزا} بلقعا. وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة:27] (7) . وقال محمد بن إسحاق: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٤٨) ↗

التحرير والتنوير

والأفواه: جمع فم وهو بوزن أفعال، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل، أو فيه بوزن ريح، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفا يعتمد عليه لسانه، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «فا» ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار «فم» ، ولما جمعوه ردوه إلى أصله. وجملة إن يقولون إلا كذبا مؤكدة لمضمون جملة تخرج من أفواههم لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفس الأمر هو الكذب، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب، فما قولهم ذلك إلا كذب، أي ليست له صفة إلا صفة الكذب. هذا إذا جعل القول المأخوذ من يقولون خصوص قولهم: اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] . ولك أن تحمل يقولون على العموم في سياق النفي، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب، فيكون قصرا إضافيا، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن يقولون تذييلا. [6] فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) تفريع على جملة وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله: ويبشر المؤمنين [الكهف: 2] ثم قوله: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٥٣) ↗