سورة الكهف · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختبارا. { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } أي: أخلصه وأصوبه، ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات، فانية مضمحلة، وزائلة منقضية. وستعود الأرض صعيدا جرزا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست أثارها، وزال نعيمها، هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها، كل ذلك رحمة بنا، فاغتر بزخرف الدنيا وزينتها، من نظر إلى ظاهر الدنيا، دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، لا ينظرون في حق ربهم، ولا يهتمون لمعرفته، بل همهم تناول الشهوات، من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة اتفقت، فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت، قلق لخراب ذاته، وفوات لذاته، لا لما قدمت يداه من التفريط والسيئات. وأما من نظر إلى باطن الدنيا، وعلم المقصود منها ومنه، فإنه يتناول منها، ما يستعين به على ما خلق له، وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدنيا منزل عبور، لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، فبذل جهده في معرفة ربه، وتنفيذ أوامره، وإحسان العمل، فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم، وسرور وتكريم، فنظر إلى باطن الدنيا، حين نظر المغتر إلى ظاهرها، وعمل لآخرته، حين عمل البطال لدنياه، فشتان ما بين الفريقين، وما أبعد الفرق بين الطائفتين!!
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ٧–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ، وقال {ولا تحزن عليهم} [النحل:127] ، وقال {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء:3] (2) (3) باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفا} يقول: لا تهلك نفسك أسفا. قال قتادة: قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم. وقال مجاهد: جزعا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} . قال قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الدنيا خضرة حلوة (4) وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا (5) ، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (6) ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها، وفراغها وانقضائها، وذهابها وخرابها، فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكا {صعيدا جرزا} : لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: {صعيدا جرزا} بلقعا. وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة:27] (7) . وقال محمد بن إسحاق: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} يعني الأرض، إن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإلى الله (8) فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٥١) ↗التحرير والتنوير
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جدا أعوز المفسرين بيانها، فمنهم ساكت عنها، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت. والذي يبدو: أنها تسلية للنبيء صلى الله عليه وآله وسلم على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم زينة الدنيا لعلهم يشكرونه، وأنهم بطروا النعمة، فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة. وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسول الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف- عليه السلام-. ولهذا اتصال بقوله: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف: 2] . وموقع (إن) في صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم [الكهف: 6] . ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة الله تعالى، وخاصة ما كان منها إيجادا للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم، والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر، ونعمة ونقمة، كلها عبر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ الأهبة إلى الانتقال من حال إلى حال فلا يثق بقوته وبطشه، ليقيس الأشياء بأشباهها ويعرض نفسه على معيار الفضائل وحسنى العواقب. وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم وتعقلهم، كما قال تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت [الغاشية: 17- 20] ، وقال: وفي الأرض آيات للموقنين [الذاريات: 20] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٥٦) ↗