سورة الكهف · الآية ١٠٥
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل يا محمد، للناس - على وجه التحذير والإنذار -: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟ { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا } أي: بطل واضمحل كل ما عملوه من عمل، يحسبون أنهم محسنون في صنعه، فكيف بأعمالهم التي يعلمون أنها باطلة، وأنها محادة لله ورسله ومعاداة؟! فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم، ف خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين [الزمر: 15]. { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية، الدالة على وجوب الإيمان به وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر. { فحبطت } بسبب ذلك { أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } لأن الوزن فائدته، مقابلة الحسنات بالسيئات، والنظر في الراجح منها والمرجوح، وهؤلاء لا حسنات لهم لعدم شرطها، وهو الإيمان، كما قال تعالى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [طه: 112] لكن تعد أعمالهم وتحصى، ويقررون بها، ويخزون بها على رؤوس الأشهاد، ثم يعذبون عليها، ولهذا قال: { ذلك جزآؤهم } أي: حبوط أعمالهم، وأنه لا يقام لهم يوم القيامة، { وزنا } لحقارتهم وخستهم، بكفرهم بآيات الله، واتخاذهم آياته ورسله، هزوا يستهزئون بها، ويسخرون منها، مع أن الواجب في آيات الله ورسله، الإيمان التام بها، والتعظيم لها، والقيام بها أتم القيام، وهؤلاء عكسوا القضية، فانعكس أمرهم، وتعسوا، وانتكسوا في العذاب. ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم، بين أعمال المؤمنين ومآلهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ١٠٣–١٠٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… كما قال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية} [الغاشية: 2-4] وقوله (4) تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] . وقال في هذه الآية الكريمة: {قل هل ننبئكم} أي: نخبركم {بالأخسرين أعمالا} ؟ ثم فسرهم فقال: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} أي: عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} أي" يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون. وقوله: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير (5) . قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين (6) يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: "اقرؤوا إن شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} . وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله (7) . هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا (8) . وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير، به (9) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها". قال: وقرأ: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٠٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فلم يكن لها ثواب ينفع أصحابها في الآخرة، بل لهم منها عذاب وخزي طويل {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] يقول تعالى ذكره: فلا نجعل لهم ثقلا. وإنما عنى بذلك: أنهم لا تثقل بهم موازينهم، لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيء من الأعمال الصالحة فتثقل به موازينهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٢٩) ↗التحرير والتنوير
أعمالا تقربوا بها للأصنام يحسبونها مبلغة إياهم أغراضا وقد أخطؤوها وهم يحسبون أنهم يفعلون خيرا. وإسناد الضلال إلى سعيهم مجاز عقلي. والمعنى: الذين ضلوا في سعيهم. وبين يحسبون ويحسنون جناس مصحف، وقد مثل بهما في مبحث الجناس. [105] 105] أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) جملة هي استئناف بياني بعد قوله هل ننبئكم. وجيء باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز لئلا يلتبسوا بغيرهم على نحو قوله تعالى: أولئك هم المفلحون [البقرة: 5] . وللتنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من حكم بسبب ما أجري عليهم من الأوصاف. والآيات: القرآن والمعجزات. والحبط: البطلان والدحض. وقوله: ربهم يجري على الوجه الأول في نون هل ننبئكم أنه إظهار في مقام الإضمار. ومقتضى الظاهر أن يقال: أولئك الذين كفروا بآياتنا، ويجري على الوجهين الثاني والثالث أنه على مقتضى الظاهر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٤٧) ↗